درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۹: احتیاط ۴۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وبالجملة : فحصول اللطف بالفعل المأتيّ به من الجاهل فيما نحن فيه غير معلوم (١) ، بل ظاهرهم عدمه ، فلم يبق عليه إلاّ التخلّص من تبعة مخالفة الأمر الموجّه (٢) إليه ؛ فإنّ هذا واجب عقليّ في مقام الإطاعة والمعصية ، ولا دخل له بمسألة اللطف ، بل هو جار على فرض عدم اللطف وعدم المصلحة في المأمور به رأسا ، وهذا التخلّص يحصل بالإتيان بما يعلم أنّ مع تركه يستحقّ العقاب والمؤاخذة فيجب الإتيان ، وأمّا الزائد فيقبح المؤاخذة عليه مع عدم البيان.

فإنّ قلت : إنّ ما ذكر في وجوب الاحتياط في المتباينين بعينه موجود هنا ، وهو أنّ المقتضي ـ وهو تعلّق الوجوب الواقعي بالأمر الواقعيّ المردّد بين الأقلّ والأكثر ـ موجود ، والجهل التفصيليّ به لا يصلح مانعا لا عن المأمور به ولا عن توجّه الأمر ، كما تقدّم في المتباينين حرفا بحرف (٣).

الجهل مانع عقلي عن توجّه التكليف بالجزء المشكوك

قلت : نختار هنا أنّ الجهل مانع عقليّ عن توجّه التكليف بالمجهول إلى المكلّف ؛ لحكم العقل بقبح المؤاخذة على ترك الأكثر المسبّب عن ترك الجزء المشكوك من دون بيان ، ولا يعارض بقبح المؤاخذة على ترك الأقلّ من حيث هو من دون بيان ؛ إذ يكفي في البيان المسوّغ للمؤاخذة عليه العلم التفصيليّ بأنّه مطلوب للشارع بالاستقلال أو في ضمن الأكثر ، ومع هذا العلم لا يقبح المؤاخذة.

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «وإن احرز الواقع».

(٢) في (ظ) و (ه): «المتوجّه».

(٣) راجع الصفحة ٢٨٠.

عدم جريان الدليل العقلي المتقدّم في المتباينين فيما نحن فيه

وما ذكر في المتباينين ـ سندا لمنع كون الجهل مانعا : من استلزامه لجواز المخالفة القطعيّة ، وقبح خطاب الجاهل المقصّر ، وكونه معذورا بالنسبة إلى الواقع ـ مع أنّه خلاف المشهور أو المتّفق عليه ، غير جار فيما نحن فيه.

أمّا الأوّل ؛ فلأنّ عدم جواز المخالفة القطعيّة لكونها مخالفة معلومة بالتفصيل ؛ فإنّ وجوب الأقلّ بمعنى استحقاق العقاب بتركه معلوم تفصيلا وإن لم يعلم أنّ العقاب لأجل ترك نفسه أو لترك ما هو سبب في تركه وهو الأكثر ؛ فإنّ هذا العلم غير معتبر في إلزام العقل بوجوب الإتيان ؛ إذ مناط تحريك العقل إلى فعل الواجبات وترك المحرّمات ، دفع العقاب ، ولا يفرّق في تحريكه بين علمه بأنّ العقاب لأجل هذا الشيء أو لما هو مستند إليه.

عدم معذوريّة الجاهل المقصّر

وأمّا عدم معذوريّة الجاهل المقصّر ، فهو للوجه الذي لا يعذر من أجله الجاهل بنفس التكليف المستقلّ ، وهو العلم الإجماليّ بوجود واجبات ومحرّمات كثيرة في الشريعة ، وأنّه لولاه لزم إخلال الشريعة ، لا العلم الإجماليّ الموجود في المقام ؛ إذ الموجود في المقام علم تفصيليّ ، وهو وجوب الأقلّ بمعنى ترتّب العقاب على تركه ، وشكّ في أصل وجوب الزائد ولو مقدّمة.

العلم الإجمالي فيما نحن فيه غير مؤثّر في وجوب الاحتياط

وبالجملة : فالعلم الإجماليّ فيما نحن فيه غير مؤثّر في وجوب الاحتياط ؛ لكون أحد طرفيه معلوم الإلزام تفصيلا والآخر مشكوك الإلزام رأسا.

ودوران الإلزام في الأقلّ بين كونه مقدّميّا أو نفسيّا ، لا يقدح في كونه معلوما بالتفصيل ؛ لما ذكرنا : من أنّ العقل يحكم بوجوب القيام بما

علم إجمالا أو تفصيلا إلزام المولى به على أيّ وجه كان ، ويحكم بقبح المؤاخذة على ما شكّ في إلزامه ، والمعلوم إلزامه تفصيلا هو الأقلّ ، والمشكوك إلزامه رأسا هو الزائد ، والمعلوم إلزامه إجمالا هو الواجب النفسيّ المردّد بين الأقلّ والأكثر ، ولا عبرة به بعد انحلاله إلى معلوم تفصيليّ ومشكوك ، كما في كلّ معلوم إجماليّ كان كذلك ، كما لو علم إجمالا بكون أحد من الإناءين اللذين أحدهما المعيّن نجس ، خمرا ؛ فإنّه يحكم بحلّيّة الطاهر منهما ، والعلم الإجمالي بالخمر لا يؤثّر في وجوب الاجتناب عنه.

التمسّك بأصالة عدم وجوب الأكثر في المسألة

وممّا ذكرنا يظهر : أنّه يمكن التمسّك في عدم وجوب الأكثر بأصالة عدم وجوبه ؛ فإنّها سليمة في هذا المقام عن المعارضة بأصالة عدم وجوب الأقلّ ؛ لأنّ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا فلا يجري فيه الأصل.

وتردّد وجوبه بين الوجوب النفسيّ والغيريّ مع العلم التفصيلي بورود الخطاب التفصيليّ بوجوبه بقوله : ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾(١) ، وقوله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾(٢) ، وقوله : ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾(٣) ، وقوله : ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾(٤) ، وغير ذلك (٥) من الخطابات المتضمّنة للأمر

__________________

(١) المدّثّر : ٣.

(٢) البقرة : ٢٣٨.

(٣) المزّمّل : ٢٠.

(٤) الحجّ : ٧٧.

(٥) كما في البقرة : ٤٣ ، وآل عمران : ٤٣.