درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۲۰: احتیاط ۴۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

علم إجمالا أو تفصيلا إلزام المولى به على أيّ وجه كان ، ويحكم بقبح المؤاخذة على ما شكّ في إلزامه ، والمعلوم إلزامه تفصيلا هو الأقلّ ، والمشكوك إلزامه رأسا هو الزائد ، والمعلوم إلزامه إجمالا هو الواجب النفسيّ المردّد بين الأقلّ والأكثر ، ولا عبرة به بعد انحلاله إلى معلوم تفصيليّ ومشكوك ، كما في كلّ معلوم إجماليّ كان كذلك ، كما لو علم إجمالا بكون أحد من الإناءين اللذين أحدهما المعيّن نجس ، خمرا ؛ فإنّه يحكم بحلّيّة الطاهر منهما ، والعلم الإجمالي بالخمر لا يؤثّر في وجوب الاجتناب عنه.

التمسّك بأصالة عدم وجوب الأكثر في المسألة

وممّا ذكرنا يظهر : أنّه يمكن التمسّك في عدم وجوب الأكثر بأصالة عدم وجوبه ؛ فإنّها سليمة في هذا المقام عن المعارضة بأصالة عدم وجوب الأقلّ ؛ لأنّ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا فلا يجري فيه الأصل.

وتردّد وجوبه بين الوجوب النفسيّ والغيريّ مع العلم التفصيلي بورود الخطاب التفصيليّ بوجوبه بقوله : ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾(١) ، وقوله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾(٢) ، وقوله : ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾(٣) ، وقوله : ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾(٤) ، وغير ذلك (٥) من الخطابات المتضمّنة للأمر

__________________

(١) المدّثّر : ٣.

(٢) البقرة : ٢٣٨.

(٣) المزّمّل : ٢٠.

(٤) الحجّ : ٧٧.

(٥) كما في البقرة : ٤٣ ، وآل عمران : ٤٣.

بالأجزاء ، لا يوجب جريان أصالة عدم الوجوب أو أصالة البراءة.

المناقشة في هذا الأصل

لكنّ الإنصاف : أنّ التمسّك بأصالة عدم وجوب الأكثر لا ينفع في المقام ، بل هو قليل الفائدة ؛ لأنّه : إن قصد به نفي أثر الوجوب الذي هو استحقاق العقاب بتركه ، فهو وإن كان غير معارض بأصالة عدم وجوب الأقلّ كما ذكرنا ، إلاّ أنّك قد عرفت فيما تقدّم في الشكّ في التكليف (١) : أنّ استصحاب عدم التكليف المستقلّ (٢) ـ وجوبا أو تحريما ـ لا ينفع في دفع (٣) استحقاق العقاب على الترك أو الفعل ؛ لأنّ عدم استحقاق العقاب ليس من آثار عدم الوجوب والحرمة الواقعيّين حتّى يحتاج إلى إحرازهما بالاستصحاب ، بل يكفي فيه عدم العلم بهما ، فمجرّد الشكّ فيهما كاف في عدم استحقاق العقاب بحكم العقل القاطع.

وقد أشرنا إلى ذلك عند التمسّك في حرمة العمل بالظنّ بأصالة عدم حجّيته ، وقلنا : إنّ الشكّ في حجّيته كاف في التحريم ولا يحتاج إلى إحراز عدمها بالأصل (٤).

وإن قصد به نفي الآثار المترتّبة على الوجوب النفسيّ المستقلّ ، فأصالة عدم هذا الوجوب في الأكثر معارضة بأصالة عدمه في الأقلّ ، فلا تبقى لهذا الأصل فائدة إلاّ في نفي ما عدا العقاب من الآثار المترتّبة على مطلق الوجوب الشامل للنفسيّ والغيريّ.

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٩ ـ ٦٠.

(٢) لم ترد «المستقلّ» في (ظ).

(٣) في (ظ) ونسخة بدل (ص): «رفع».

(٤) راجع مبحث الظن ١ : ١٢٧ ـ ١٢٨.

سائر ما يتمسّك به لوجوب الاحتياط في المسألة ، والمناقشة فيها

ثمّ بما ذكرنا في منع جريان الدليل العقليّ المتقدّم في المتباينين فيما نحن فيه ، تقدر على منع سائر ما يتمسّك به لوجوب الاحتياط في هذا المقام.

مثل : استصحاب الاشتغال بعد الإتيان بالأقلّ (١).

ومثل (٢) : أنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي وجوب تحصيل اليقين بالبراءة (٣).

ومثل : أدلّة اشتراك الغائبين مع الحاضرين في الأحكام المقتضية لاشتراكنا ـ معاشر الغائبين ـ مع الحاضرين العالمين بالمكلّف به تفصيلا (٤).

ومثل : وجوب دفع الضرر ـ وهو العقاب (٥) ـ المحتمل قطعا ، وبعبارة اخرى : وجوب المقدّمة العلميّة للواجب (٦).

ومثل : أنّ قصد القربة غير ممكن بالإتيان بالأقلّ ؛ لعدم العلم بمطلوبيّته في ذاته ، فلا يجوز الاقتصار عليه في العبادات ، بل لا بدّ من الإتيان بالجزء المشكوك.

المناقشة فيما يتمسُك به

فإنّ الأوّل مندفع ـ مضافا إلى منع جريانه حتّى في مورد وجوب الاحتياط ، كما تقدّم في المتباينين ـ بأنّ بقاء وجوب الأمر المردّد بين

__________________

(١) استدلّ به في ضوابط الاصول : ٣٢٦ ، وهداية المسترشدين : ٤٥٠.

(٢) «مثل» من (ص).

(٣) استدلّ به في ضوابط الاصول : ٣٢٧.

(٤) أشار إلى هذا الوجه في ضوابط الاصول : ٣٢٦.

(٥) لم ترد «وهو العقاب» في (ظ).

(٦) هذا الوجه أيضا ذكره في هداية المسترشدين : ٤٥٠ ، وضوابط الاصول : ٣٢٨.