درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۲۱: احتیاط ۴۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

سائر ما يتمسّك به لوجوب الاحتياط في المسألة ، والمناقشة فيها

ثمّ بما ذكرنا في منع جريان الدليل العقليّ المتقدّم في المتباينين فيما نحن فيه ، تقدر على منع سائر ما يتمسّك به لوجوب الاحتياط في هذا المقام.

مثل : استصحاب الاشتغال بعد الإتيان بالأقلّ (١).

ومثل (٢) : أنّ الاشتغال اليقينيّ يقتضي وجوب تحصيل اليقين بالبراءة (٣).

ومثل : أدلّة اشتراك الغائبين مع الحاضرين في الأحكام المقتضية لاشتراكنا ـ معاشر الغائبين ـ مع الحاضرين العالمين بالمكلّف به تفصيلا (٤).

ومثل : وجوب دفع الضرر ـ وهو العقاب (٥) ـ المحتمل قطعا ، وبعبارة اخرى : وجوب المقدّمة العلميّة للواجب (٦).

ومثل : أنّ قصد القربة غير ممكن بالإتيان بالأقلّ ؛ لعدم العلم بمطلوبيّته في ذاته ، فلا يجوز الاقتصار عليه في العبادات ، بل لا بدّ من الإتيان بالجزء المشكوك.

المناقشة فيما يتمسُك به

فإنّ الأوّل مندفع ـ مضافا إلى منع جريانه حتّى في مورد وجوب الاحتياط ، كما تقدّم في المتباينين ـ بأنّ بقاء وجوب الأمر المردّد بين

__________________

(١) استدلّ به في ضوابط الاصول : ٣٢٦ ، وهداية المسترشدين : ٤٥٠.

(٢) «مثل» من (ص).

(٣) استدلّ به في ضوابط الاصول : ٣٢٧.

(٤) أشار إلى هذا الوجه في ضوابط الاصول : ٣٢٦.

(٥) لم ترد «وهو العقاب» في (ظ).

(٦) هذا الوجه أيضا ذكره في هداية المسترشدين : ٤٥٠ ، وضوابط الاصول : ٣٢٨.

الأقلّ والأكثر بالاستصحاب لا يجدي ؛ بعد فرض كون وجود المتيقّن قبل الشكّ غير مجد في الاحتياط.

نعم ، لو قلنا بالأصل المثبت ، وأنّ استصحاب الاشتغال بعد الإتيان بالأقلّ يثبت كون الواجب هو الأكثر فيجب الإتيان به ، أمكن الاستدلال بالاستصحاب.

لكن يمكن أن يقال : إنّا نفينا في الزمان السابق وجوب الأكثر ؛ لقبح المؤاخذة (١) من دون بيان ، فتعيّن الاشتغال بالأقلّ ، فهو منفيّ في الزمان السابق ، فكيف يثبت في الزمان اللاحق؟

وأمّا الثاني ، فهو حاصل الدليل المتقدّم في المتباينين المتوهّم جريانه في المقام ، وقد عرفت الجواب (٢) ، وأنّ الاشتغال اليقينيّ إنّما هو بالأقلّ ، وغيره مشكوك فيه (٣).

وأمّا الثالث ، ففيه : أنّ مقتضى الاشتراك كون الغائبين والحاضرين على نهج واحد مع كونهما في العلم والجهل على صفة واحدة ، ولا ريب أنّ وجوب الاحتياط على الجاهل من الحاضرين فيما نحن فيه عين الدعوى.

وأمّا الرابع ، فلأنّ وجوب المقدّمة فرع وجوب ذي المقدّمة ، وهو الأمر المتردّد (٤) بين الأقلّ والأكثر ، وقد تقدّم (٥) : أنّ وجوب المعلوم

__________________

(١) في (ظ) بدل «المؤاخذة» : «العقاب».

(٢) في (ص) زيادة : «عنه».

(٣) راجع الصفحة ٣٢١ ـ ٣٢٣.

(٤) في (ت): «المردّد».

(٥) راجع الصفحة ٣٢٢ ـ ٣٢٣.

إجمالا مع كون أحد طرفيه متيقّن الإلزام من الشارع ولو بالإلزام المقدّمي ، غير مؤثّر في وجوب الاحتياط ؛ لكون الطرف الغير المتيقّن ـ وهو الأكثر في ما نحن فيه ـ موردا لقاعدة البراءة ، كما مثّلنا له بالخمر المردّد بين إناءين (١) أحدهما المعيّن نجس.

نعم ، لو ثبت أنّ ذلك ـ أعني تيقّن أحد طرفي المعلوم بالاجمال تفصيلا وترتّب أثره عليه ـ لا يقدح في وجوب العمل بما يقتضيه من الاحتياط ، فيقال في المثال : إنّ التكليف بالاجتناب عن هذا الخمر المردّد بين الإناءين يقتضي استحقاق العقاب على تناوله بتناول أيّ الإناءين (٢) اتّفق كونه خمرا ، فيجب الاحتياط بالاجتناب عنهما ، فكذلك فيما نحن فيه.

والدليل العقليّ على البراءة من هذه الجهة يحتاج إلى مزيد تأمّل.

وأمّا الخامس ، فلأنّه يكفي في قصد القربة الإتيان بما علم من الشارع الإلزام به وأداء تركه إلى استحقاق العقاب لأجل التخلّص عن العقاب ؛ فإنّ هذا المقدار كاف في نيّة القربة المعتبرة في العبادات حتّى لو علم بأجزائها تفصيلا.

كيف تقصد القربة بإتيان الأقلّ؟

بقي الكلام في أنّه كيف يقصد القربة بإتيان الأقلّ مع عدم العلم بكونه مقرّبا ؛ لتردّده بين الواجب النفسيّ المقرّب والمقدّمي الغير المقرّب؟

فنقول :

يكفي في قصد القربة : قصد التخلّص من العقاب ؛ فإنّها إحدى

__________________

(١) في (ر) و (ص): «الإناءين».

(٢) في (ت) و (ظ) زيادة : «إذا».

الغايات المذكورة في العبادات (١).

الاستدلال بالأخبار على البراءة في المسألة :

وأمّا الدليل النقلي :

فهو الأخبار الدالّة على البراءة ، الواضحة سندا ودلالة ؛ ولذا عوّل عليها في المسألة من جعل مقتضى العقل فيها وجوب الاحتياط (٢) ، بناء على وجوب مراعاة العلم الإجمالي وإن كان الإلزام في أحد طرفيه معلوما بالتفصيل. وقد تقدّم أكثر تلك الأخبار في الشكّ في التكليف التحريمي والوجوبي (٣).

١ ـ حديث الحجب

منها : قوله عليه‌السلام : «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (٤).

فإنّ وجوب الجزء المشكوك محجوب علمه عن العباد ، فهو موضوع عنهم ؛ فدلّ على أنّ الجزء المشكوك وجوبه غير واجب على الجاهل ، كما دلّ على أنّ الشيء المشكوك وجوبه النفسيّ غير واجب في الظاهر على الجاهل.

ويمكن تقريب الاستدلال : بأنّ وجوب الأكثر ممّا حجب علمه ، فهو موضوع.

ولا يعارض بأنّ وجوب الأقلّ كذلك ؛ لأنّ العلم بوجوبه المردّد

__________________

(١) لم ترد عبارة «بقي الكلام ـ إلى ـ العبادات» في (ت) و (ه) ، وكتب عليها في (ص): «زائد».

(٢) هو صاحب الفصول في الفصول : ٣٥٧.

(٣) راجع الصفحة ٢٨ و ٤١ ـ ٤٤.

(٤) الوسائل ١٨ : ١١٩ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٨.

بين النفسيّ والغيريّ غير محجوب ، فهو غير موضوع.

٢ ـ حديث الرفع

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «رفع عن امّتي ... ما لا يعلمون» (١).

فإنّ وجوب الجزء المشكوك ممّا لم يعلم ، فهو مرفوع عن المكلّفين ، أو أنّ العقاب والمؤاخذة المترتّبة على تعمّد ترك الجزء المشكوك الذي هو سبب لترك الكلّ ، مرفوع عن الجاهل.

إلى غير ذلك من أخبار البراءة الجارية في الشبهة الوجوبيّة.

وكان بعض مشايخنا قدّس الله نفسه يدّعي ظهورها في نفي الوجوب النفسيّ المشكوك ، وعدم جريانها في الشكّ في الوجوب الغيريّ (٢).

عدم الفرق في أخبار البراءة بين الشكّ في الوجوب النفسي أو في الوجوب الغيري

ولا يخفى على المتأمّل : عدم الفرق بين الوجوبين في نفي ما يترتّب عليه ، من استحقاق العقاب ؛ لأنّ ترك الواجب الغيريّ منشأ لاستحقاق العقاب ولو من جهة كونه منشأ لترك الواجب النفسيّ.

نعم ، لو كان الظاهر من الأخبار نفي العقاب المترتّب على ترك الشيء من حيث خصوص ذاته ، أمكن دعوى ظهورها في ما ادّعي.

مع إمكان أن يقال : إنّ العقاب على ترك الجزء أيضا من حيث خصوص ذاته ؛ لأنّ ترك الجزء عين ترك الكلّ ، فافهم.

هذا كلّه إن جعلنا المرفوع والموضوع في الروايات خصوص المؤاخذة ، وأمّا لو عمّمناه لمطلق الآثار الشرعيّة المترتّبة على الشيء المجهول ، كانت الدلالة أوضح ، لكن سيأتي ما في ذلك (٣).

__________________

(١) الوسائل ١١ : ٢٩٥ ، الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ، الحديث الأوّل.

(٢) هو شريف العلماء ، انظر تقريرات درسه في ضوابط الاصول : ٣٢٩.

(٣) انظر الصفحة ٣٣٥.