درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۲۸: احتیاط ۵۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المسألة الثانية

ما إذا كان الشكّ في الجزئيّة ناشئا من إجمال الدليل

الشكّ في الجزئيّتة من جهة إجمال النصّ

كما إذا علّق الوجوب في الدليل اللفظي بلفظ مردّد ـ بأحد أسباب الإجمال ـ بين مركّبين يدخل أقلّهما جزءا تحت الأكثر بحيث يكون الآتي بالأكثر آتيا بالأقلّ.

الإجمال قد يكون في المعنى العرفي وقد يكون في المعنى الشرعي

والإجمال : قد يكون في المعنى العرفيّ ، كأن وجب في الغسل غسل ظاهر البدن ، فيشكّ في أنّ الجزء الفلاني ـ كباطن الاذن أو عكنة (١) البطن ـ من الظاهر أو الباطن.

وقد يكون في المعنى الشرعيّ ، كالأوامر المتعلّقة في الكتاب والسنّة بالصلاة وأمثالها ، بناء على أنّ هذه الألفاظ موضوعة للماهيّة الصحيحة يعني الجامعة لجميع الأجزاء الواقعيّة.

الأقوى جريان أصالة البراءة أيضا

والأقوى هنا أيضا : جريان أصالة البراءة ؛ لعين ما أسلفناه في سابقه من العقل والنقل.

وربما يتخيّل : جريان قاعدة الاشتغال هنا وإن جرت أصالة

__________________

(١) في (ص): «عكن» ، وفي (ظ): «عكرة» ، والعكنة : ما انطوى وتثنّى من لحم البطن سمنا ، والعكرة : من عكر ، أي عطف ورجع ، والمراد من كليهما : انطواء بعض البطن ورجوعه على بعضه الآخر من كثرة السمن.

تخيّل جريان قاعدة الاشتغال في المسألة

البراءة في المسألة المتقدّمة ؛ لفقد الخطاب التفصيليّ المتعلّق بالأمر المجمل في تلك المسألة ووجوده هنا ، فيجب الاحتياط بالجمع بين محتملات الواجب المجمل ، كما هو الشأن في كلّ خطاب تعلّق بأمر مجمل ؛ ولذا فرّعوا على القول بوضع الألفاظ للصحيح كما هو المشهور ، وجوب الاحتياط في أجزاء العبادات وعدم جواز إجراء أصل البراءة فيها.

دفع التخيّل المذكور

وفيه : أنّ وجوب الاحتياط في المجمل المردّد بين الأقلّ والأكثر ممنوع ؛ لأنّ المتيقّن من مدلول هذا الخطاب وجوب الأقلّ بالوجوب المردّد بين النفسيّ والمقدّمي ، فلا محيص عن الإتيان به ؛ لأنّ تركه مستلزم للعقاب ، وأمّا وجوب الأكثر فلم يعلم من هذا الخطاب ، فيبقى مشكوكا ، فيجيء (١) فيه ما مرّ من الدليل العقلي والنقلي.

والحاصل : أنّ مناط وجوب الاحتياط عدم جريان أدلّة البراءة في واحد معيّن من المحتملين ـ لمعارضته بجريانها في المحتمل الآخر ـ حتّى يخرج المسألة بذلك عن مورد البراءة ويجب الاحتياط فيها ؛ لأجل تردّد الواجب المستحقّ على تركه العقاب بين أمرين لا معيّن (٢) لأحدهما ، من غير فرق في ذلك بين وجود خطاب تفصيليّ في المسألة متعلّق بالمجمل وبين وجود خطاب مردّد بين خطابين.

فإذا (٣) فقد المناط المذكور وأمكن البراءة في واحد معيّن ، لم يجب الاحتياط من غير فرق بين الخطاب التفصيليّ وغيره.

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٨ و ٣٢٨.

(٢) في (ت) ، (ر) و (ه): «لا تعيّن».

(٣) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «وإذا».

فإن قلت : إذا كان متعلّق الخطاب مجملا فقد تنجّز التكليف بمراد الشارع من اللفظ ، فيجب القطع بالإتيان بمراده ، واستحقّ العقاب على تركه مع وصف كونه مجملا ، وعدم القناعة باحتمال تحصيل المراد واحتمال الخروج عن استحقاق العقاب.

عدم تعلّق التكليف بمفهوم المراد من اللفظ بل بمصداقه

قلت : التكليف ليس متعلّقا بمفهوم المراد من اللفظ ومدلوله ، حتّى يكون من قبيل التكليف بالمفهوم المبيّن المشتبه مصداقه بين أمرين ، حتّى يجب الاحتياط فيه ولو كان المصداق مردّدا بين الأقلّ والأكثر ؛ نظرا إلى وجوب القطع بحصول المفهوم المعيّن المطلوب من العبد ، كما سيجيء في المسألة الرابعة (١). وإنّما هو متعلّق بمصداق المراد والمدلول ؛ لأنّه الموضوع له اللفظ والمستعمل فيه ، واتّصافه بمفهوم المراد والمدلول بعد الوضع والاستعمال ، فنفس متعلّق التكليف مردّد بين الأقلّ والأكثر لا مصداقه.

توهّم ودفع

ونظير هذا ، توهّم : أنّه إذا كان اللفظ في العبادات موضوعا للصحيح ، والصحيح مردّد مصداقه بين الأقلّ والأكثر ، فيجب فيه الاحتياط.

ويندفع : بأنّه خلط بين الوضع للمفهوم والمصداق ، فافهم.

ما ذكره بعض من الثمرة بين الصحيحي والأعمّي

وأمّا ما ذكره بعض متأخّري المتأخّرين (٢) : من (٣) الثمرة بين القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح وبين وضعها للأعمّ ، فغرضه بيان الثمرة

__________________

(١) في الصفحة ٣٥٢.

(٢) هو الشيخ محمّد تقي في هداية المسترشدين : ١١٣.

(٣) في (ر) زيادة : «أنّه».

على مختاره من وجوب الاحتياط في الشكّ في الجزئيّة ، لا أنّ كلّ من قال بوضع الألفاظ للصحيحة فهو قائل بوجوب الاحتياط وعدم جواز إجراء أصل البراءة في أجزاء العبادات ؛ كيف؟ والمشهور مع قولهم بالوضع للصحيحة قد ملئوا طواميرهم من إجراء الأصل عند الشكّ في الجزئيّة والشرطيّة بحيث لا يتوهّم من كلامهم أنّ مرادهم بالأصل غير أصالة البراءة.

والتحقيق : أنّ ما ذكروه ثمرة للقولين : من وجوب الاحتياط على القول بوضع الألفاظ للصحيح ، وعدمه على القول بوضعها للأعمّ ، محلّ نظر.

عدم كون الثمرة وجوب الاحتياط بناء على الصحيحي

أمّا الأوّل ، فلما عرفت (١) : من (٢) أنّ غاية ما يلزم من القول بالوضع للصحيح كون هذه الألفاظ مجملة ، وقد عرفت (٣) : أنّ المختار والمشهور في المجمل المردّد بين الأقلّ والأكثر عدم وجوب الاحتياط.

توضيح ما ذكروه ثمرة للصحيحي والأعمّي

وأمّا الثاني ، فوجه النظر موقوف على توضيح ما ذكروه من وجه ترتّب تلك الثمرة ، أعني عدم لزوم الاحتياط على القول بوضع اللفظ للأعمّ ، وهو :

أنّه إذا قلنا بأنّ المعنى الموضوع له اللفظ هو الصحيح ، كان كلّ جزء من أجزاء العبادة مقوّما لصدق حقيقة معنى لفظ «الصلاة» ، فالشكّ في جزئيّة شيء شكّ في صدق الصلاة ، فلا إطلاق للفظ «الصلاة» على هذا

__________________

(١) راجع الصفحة السابقة.

(٢) «من» من (ظ).

(٣) راجع الصفحة ٣٤٠.