درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۷: شبهه تحریمیه تعارض نصین ۱

 

المسألة الثانية

الشبهة التحريميّة من جهة إجمال النصّ

ما إذا كان دوران حكم الفعل بين الحرمة وغير الوجوب

من جهة إجمال النصّ

إمّا بأن يكون اللفظ الدالّ على الحكم مجملا ، كالنهي المجرّد عن القرينة إذا قلنا باشتراكه لفظا بين الحرمة والكراهة.

وإمّا بأن يكون الدالّ على متعلّق الحكم كذلك ، سواء كان الإجمال في وضعه كالغناء إذا قلنا بإجماله ، فيكون المشكوك في كونه غناء محتمل الحرمة ، أم كان الإجمال في المراد منه ، كما إذا شكّ في شمول الخمر للخمر الغير المسكر ولم يكن هناك إطلاق يؤخذ به.

والحكم في ذلك كلّه كما في المسألة الاولى ، والأدلّة المذكورة من الطرفين جارية هنا.

وربما يتوهّم (١) : أنّ الإجمال إذا كان في متعلّق الحكم ـ كالغناء وشرب الخمر الغير المسكر ـ كان ذلك داخلا في الشبهة في طريق الحكم. وهو فاسد.

__________________

(١) المتوهّم هو المحدّث الحرّ العاملي في الفوائد الطوسيّة : ٥١٨ ، وسيأتي نقل كلامه في الصفحة ١٣٠ ـ ١٣٥.

المسألة الثالثة

الشبهة التحريميّة من جهة تعارض النصّين

أن يدور حكم الفعل بين الحرمة وغير الوجوب

من جهة تعارض النصّين وعدم ثبوت ما يكون مرجّحا لأحدهما

والأقوى عدم وجوب الاحتياط

والأقوى فيه أيضا عدم وجوب الاحتياط ؛ لعدم الدليل عليه عدا ما تقدّم : من الوجوه المذكورة (١) التي عرفت حالها (٢) ، وبعض ما ورد في خصوص تعارض النصّين ، مثل ما في عوالي اللآلي : من مرفوعة العلاّمة رحمه‌الله إلى زرارة عن مولانا أبي جعفر عليه‌السلام :

طاهر مرفوعة زرارة وجوب الاحتياط

«قال : قلت : جعلت فداك ، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟

فقال : يا زرارة ، خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذّ النادر.

فقلت : يا سيّدي ، إنّهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم.

فقال عليه‌السلام : خذ بما يقوله أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك.

فقلت : إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان عندي.

__________________

(١) لم ترد «المذكورة» في (ر) و (ظ).

(٢) راجع الصفحة ٦٢ ـ ٩٦.

فقال : انظر ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه وخذ بما خالفهم ؛ فإنّ الحقّ فيما خالفهم.

قلت : ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين ، فكيف نصنع؟

قال : فخذ بما فيه الحائطة لدينك ، واترك ما خالف الاحتياط.

فقلت : إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان ، فكيف أصنع؟

الجواب عن المرفوعة

قال : إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر ... الحديث» (١).

وهذه الرواية وإن كانت أخصّ من أخبار التخيير ، إلاّ أنّها ضعيفة السند ، وقد طعن صاحب الحدائق فيها وفي كتاب العوالي وصاحبه ، فقال :

إنّ الرواية المذكورة لم نقف عليها في غير كتاب العوالي ، مع ما هي عليها من الإرسال ، وما عليه الكتاب المذكور : من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار والإهمال ، وخلط غثّها بسمينها وصحيحها بسقيمها ، كما لا يخفى على من لاحظ الكتاب المذكور (٢) ، انتهى.

ثمّ إذا لم نقل بوجوب الاحتياط ، ففي كون أصل البراءة مرجّحا لما يوافقه ، أو كون الحكم الوقف ، أو التساقط والرجوع إلى الأصل ، أو التخيير بين الخبرين في أوّل الأمر أو دائما ، وجوه ليس هنا محلّ

__________________

(١) كذا في النسخ ، ولكن ليست للحديث تتمّة. انظر عوالي اللآلي ٤ : ١٣٣ ، الحديث ٢٢٩ ، والمستدرك ١٧ : ٣٠٣ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢.

(٢) الحدائق ١ : ٩٩.

ذكرها ؛ فإنّ المقصود هنا نفي وجوب الاحتياط ، والله العالم.

تعارض «المقرّر والناقل» ، و «المبيح والحاظر»

بقي هنا شيء ، وهو :

أنّ الاصوليّين عنونوا في باب التراجيح الخلاف في تقديم الخبر الموافق للأصل على المخالف (١) ، ونسب تقديم المخالف ـ وهو المسمّى بالناقل ـ إلى أكثر الاصوليّين (٢) بل إلى جمهورهم (٣) ، منهم العلاّمة قدس‌سره (٤). وعنونوا أيضا مسألة تقديم الخبر الدالّ على الإباحة على (٥) الدالّ على الحظر والخلاف فيه (٦) ، ونسب تقديم الحاظر على المبيح إلى المشهور (٧) ، بل يظهر من المحكيّ عن بعضهم عدم الخلاف في ذلك (٨). والخلاف في المسألة الاولى ينافي الوفاق في الثانية.

كما أنّ قول الأكثر فيهما مخالف لما يشاهد : من عمل علمائنا على عدم تقديم المخالف للأصل ، بل التخيير أو الرجوع إلى الأصل الذي هو وجوب الاحتياط عند الأخباريّين والبراءة عند المجتهدين حتّى العلاّمة ،

__________________

(١) انظر المعارج : ١٥٦ ، والمعالم : ٢٥٣ ، والفصول : ٤٤٥ ، ومفاتيح الاصول : ٧٠٥.

(٢) انظر نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٨.

(٣) انظر غاية البادئ (مخطوط) : ٢٨٩.

(٤) انظر مبادئ الوصول : ٢٣٧ ، وتهذيب الوصول : ٩٩.

(٥) في (ص) زيادة : «الخبر».

(٦) انظر المعارج : ١٥٧ ، ومفاتيح الاصول : ٧٠٨.

(٧) كما في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢٢٠.

(٨) لعلّ المقصود ما حكاه السيّد المجاهد عن غاية المأمول ، انظر مفاتيح الاصول : ٧٠٨.