درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۶: شبهه وجوبیه فقدان نص ۵

 

الأمر الوارد بين الوجوب والاستحباب ، ولو كان ظاهرا في الندب بني على جواز الترك. وكذا لو وردت (١) رواية ضعيفة بوجوب شيء ، وتمسّك في ذلك بحديث : «ما حجب الله علمه» ، وحديث : «رفع التسعة» ، ـ قال ـ : وخرج عن تحتهما كلّ فعل وجوديّ لم يقطع بجوازه ؛ لحديث التثليث (٢).

المناقشة فيما أفاده المحدّث الأسترابادي

أقول : قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقّق قدس‌سره (٣) : أنّ التمسّك بأصل البراءة منوط بدليل عقليّ هو قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به ، ولا دخل لإكمال الدين وعدمه ولا لكون الحسن والقبح أو الوجوب والتحريم عقليّين أو شرعيّين ، في ذلك.

والعمدة في ما ذكره هذا المحدّث من أوّله إلى آخره : تخيّله أنّ مذهب المجتهدين التمسّك بالبراءة الأصليّة لنفي الحكم الواقعيّ ، ولم أجد أحدا يستدلّ بها على ذلك. نعم ، قد عرفت سابقا أنّ ظاهر جماعة من الإماميّة جعل أصل البراءة من الأدلّة الظنّية ، كما تقدّم في المطلب الأوّل استظهار ذلك من صاحبي المعالم والزبدة (٤).

لكنّ ما ذكره من إكمال الدين لا ينفي حصول الظنّ ؛ لجواز دعوى أنّ المظنون بالاستصحاب أو غيره موافقة ما جاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله للبراءة. وما ذكره من تبعيّة خطاب الله تعالى للحكم والمصالح لا ينافي ذلك.

__________________

(١) في النسخ : «ورد».

(٢) انظر الفوائد المدنيّة : ١٦٢ ـ ١٦٣.

(٣) راجع الصفحة ٩٤.

(٤) راجع الصفحة ٩٩.

لكنّ الإنصاف : أنّ الاستصحاب لا يفيد الظنّ ، خصوصا في المقام ـ كما سيجيء في محلّه (١) ـ ، ولا أمارة غيره يفيد الظنّ.

فالاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو منع حصول الظنّ ، ومنع اعتباره على تقدير الحصول ، ولا دخل لإكمال الدين وعدمه ولا للحسن والقبح العقليّين في هذا المنع.

وكيف كان : فيظهر من المعارج القول بالاحتياط في المقام عن جماعة ، حيث قال : العمل بالاحتياط غير لازم ، وصار آخرون إلى لزومه ، وفصّل آخرون (٢) ، انتهى. وحكي عن المعالم نسبته إلى جماعة (٣).

المسألة خلافيّة والأقوى البراءة

فالظاهر أنّ المسألة خلافيّة ، لكن لم يعرف القائل به بعينه ، وإن كان يظهر من الشيخ (٤) والسيّدين (٥) التمسّك به أحيانا ، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل.

والأقوى فيه : جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة ، مضافا إلى الإجماع المركّب.

__________________

(١) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٨٧.

(٢) المعارج : ٢١٦.

(٣) لم نعثر عليه في المعالم ، ولا على الحاكي.

(٤) انظر المبسوط ١ : ١٥ و ٥٩.

(٥) انظر الانتصار : ١٠٣ ، ١٤٣ ، ١٤٦ و ١٤٨ ، والغنية : ٥٥ ، ٥٨ ، ٥٩ و ٦٣.