درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۷: شبهه وجوبیه فقدان نص ۶

 

لكنّ الإنصاف : أنّ الاستصحاب لا يفيد الظنّ ، خصوصا في المقام ـ كما سيجيء في محلّه (١) ـ ، ولا أمارة غيره يفيد الظنّ.

فالاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو منع حصول الظنّ ، ومنع اعتباره على تقدير الحصول ، ولا دخل لإكمال الدين وعدمه ولا للحسن والقبح العقليّين في هذا المنع.

وكيف كان : فيظهر من المعارج القول بالاحتياط في المقام عن جماعة ، حيث قال : العمل بالاحتياط غير لازم ، وصار آخرون إلى لزومه ، وفصّل آخرون (٢) ، انتهى. وحكي عن المعالم نسبته إلى جماعة (٣).

المسألة خلافيّة والأقوى البراءة

فالظاهر أنّ المسألة خلافيّة ، لكن لم يعرف القائل به بعينه ، وإن كان يظهر من الشيخ (٤) والسيّدين (٥) التمسّك به أحيانا ، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل.

والأقوى فيه : جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة ، مضافا إلى الإجماع المركّب.

__________________

(١) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٨٧.

(٢) المعارج : ٢١٦.

(٣) لم نعثر عليه في المعالم ، ولا على الحاكي.

(٤) انظر المبسوط ١ : ١٥ و ٥٩.

(٥) انظر الانتصار : ١٠٣ ، ١٤٣ ، ١٤٦ و ١٤٨ ، والغنية : ٥٥ ، ٥٨ ، ٥٩ و ٦٣.

وينبغي التنبيه على امور :

الأوّل

محلّ الكلام في المسألة

أنّ محلّ الكلام في هذه المسألة هو احتمال الوجوب النفسيّ المستقلّ ، وأمّا إذا احتمل كون شيء واجبا لكونه جزءا أو شرطا لواجب آخر ، فهو داخل في الشكّ في المكلّف به ، وإن كان المختار جريان أصل البراءة فيه أيضا ، كما سيجيء إن شاء الله تعالى (١) ، لكنّه خارج عن هذه المسألة الاتّفاقيّة.

__________________

(١) انظر الصفحة ٣١٨.

الثاني

رجحان الاحتياط وترتّب الثواب عليه

الإشكال في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب

أنّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل حتّى في ما احتمل كراهته. والظاهر ترتّب الثواب عليه إذا اتي به لداعي احتمال المحبوبيّة ؛ لأنّه انقياد وإطاعة حكميّة ، والحكم بالثواب هنا أولى من الحكم بالعقاب على تارك الاحتياط اللازم ، بناء على أنّه (١) في حكم المعصية وإن لم يفعل محرّما واقعيّا.

وفي جريان ذلك في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب وجهان (٢) :

__________________

(١) في (ص) ، (ظ) و (ه): «أنّها».

(٢) في غير (ظ) زيادة : «أقواهما» ، ونقل المحقّق الهمداني قدس‌سره عن سيّد مشايخه رحمه‌الله : أنّها لم تثبت في النسخة المرقومة بخطّ المصنّف رحمه‌الله ، وإليك نصّ عبارته : «حكى سيّد مشايخنا أدام الله بقاءه عدم ذكر لفظ" أقواهما" في النسخة المرقومة بخطّ المصنّف رحمه‌الله ، فهو بحسب الظاهر من تحريفات النسّاخ ؛ وكيف لا؟ ومن المعلوم من مذهب المصنّف رحمه‌الله جريان الاحتياط في العبادات ، والاكتفاء في صحّة العبادة بحصولها بداعي الأمر المحتمل على تقدير مصادفة الاحتمال للواقع» ، انظر حاشية الهمداني على الرسائل : ٦٨.

العدم ؛ لأنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّة التقرّب المتوقّفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا (١) كما في كلّ من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة. وما ذكرنا من ترتّب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلّق الأمر به ، بل هو لأجل كونه انقيادا للشارع والعبد معه في حكم المطيع ، بل لا يسمّى ذلك ثوابا.

ودعوى : أنّ العقل إذا استقلّ بحسن هذا الإتيان ثبت «بحكم الملازمة» الأمر به شرعا.

مدفوعة ؛ لما تقدّم في المطلب الأوّل (٢) : من أنّ الأمر الشرعيّ بهذا النحو من الانقياد ـ كأمره بالانقياد الحقيقيّ والإطاعة الواقعيّة في معلوم التكليف ـ إرشاديّ محض ، لا يترتّب على موافقته ومخالفته أزيد ممّا يترتّب على نفس وجود المأمور به أو عدمه ، كما هو شأن الأوامر الإرشاديّة ، فلا إطاعة لهذا الأمر الإرشاديّ ، ولا ينفع في جعل الشيء عبادة ، كما أنّ إطاعة الأوامر المتحقّقة لم تصر عبادة بسبب الأمر الوارد بها في قوله تعالى : ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾(٣).

احتمال الجريان

ويحتمل الجريان ؛ بناء على أنّ هذا المقدار من الحسن العقليّ يكفي في العبادة ومنع توقّفها على ورود أمر بها ، بل يكفي الإتيان به لاحتمال كونه مطلوبا أو كون تركه مبغوضا ؛ ولذا استقرّت سيرة العلماء والصلحاء ـ فتوى وعملا ـ على إعادة العبادات لمجرّد الخروج من مخالفة النصوص

__________________

(١) في (ت) و (ه) زيادة : «أو الظنّ المعتبر».

(٢) راجع الصفحة ٦٩.

(٣) الأنفال : ٢٠.