درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۳: شبهه وجوبیه فقدان نص ۱۲

 

العقل بالاستحقاق ، وأمّا طلب الشارع لهذا الفعل :

دلالة «أخبار من بلغ» على الأمر الإرشادي

فإن كان على وجه الإرشاد لأجل تحصيل هذا الثواب الموعود فهو لازم للاستحقاق المذكور ، وهو عين الأمر بالاحتياط.

وإن كان على وجه الطلب الشرعيّ المعبّر عنه بالاستحباب ، فهو غير لازم للحكم بتنجّز الثواب ؛ لأنّ هذا الحكم تصديق لحكم العقل بتنجّزه فيشبه قوله تعالى : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾(١). إلاّ أنّ هذا وعد على الإطاعة الحقيقيّة ، وما نحن فيه وعد على الإطاعة الحكميّة ، وهو الفعل الذي يعدّ معه العبد في حكم المطيع ، فهو من باب وعد الثواب على نيّة الخير التي يعدّ معها العبد في حكم المطيع من حيث الانقياد.

وأمّا ما يتوهّم : من أنّ استفادة الاستحباب الشرعيّ فيما نحن فيه نظير استفادة الاستحباب الشرعيّ من الأخبار الواردة في الموارد الكثيرة المقتصر فيها على ذكر الثواب للعمل ، مثل قوله عليه‌السلام : «من سرّح لحيته فله كذا» (٢).

فمدفوع (٣) : بأنّ الاستفادة هناك باعتبار أنّ ترتّب الثواب لا يكون إلاّ مع الإطاعة حقيقة أو حكما ، فمرجع تلك الأخبار إلى بيان الثواب على إطاعة الله سبحانه بهذا الفعل ، فهي تكشف عن تعلّق الأمر بها من الشارع ، فالثواب هناك لازم للأمر يستدلّ به عليه استدلالا إنيّا.

__________________

(١) النساء : ١٣.

(٢) انظر الوسائل ١ : ٤٢٩ ، الباب ٧٦ من أبواب آداب الحمّام ، الحديث الأوّل.

(٣) كذا في (ت) ، وفي غيرها : «مدفوع».

ومثل ذلك استفادة الوجوب والتحريم ممّا اقتصر فيه على ذكر العقاب على الترك أو الفعل.

وأمّا الثواب الموعود في هذه الأخبار فهو باعتبار الإطاعة الحكميّة ، فهو لازم لنفس عمله المتفرّع على السماع واحتمال الصدق ولو لم يرد به أمر. آخر أصلا ، فلا يدلّ على طلب شرعيّ آخر له. نعم ، يلزم من الوعد على الثواب طلب إرشاديّ لتحصيل ذلك الموعود.

فالغرض (١) من هذه الأوامر ـ كأوامر الاحتياط ـ تأييد حكم العقل ، والترغيب في تحصيل ما وعد الله عباده المنقادين المعدودين بمنزلة المطيعين.

وإن كان الثابت بهذه الأخبار خصوص الثواب البالغ كما هو ظاهر بعضها ، فهو وإن كان مغايرا لحكم العقل باستحقاق أصل الثواب على هذا العمل ـ بناء على أنّ العقل لا يحكم باستحقاق ذلك الثواب المسموع الداعي إلى الفعل ، بل قد يناقش في تسمية ما يستحقّه هذا العامل لمجرّد احتمال الأمر ثوابا وإن كان نوعا من الجزاء والعوض ـ ، إلاّ أنّ مدلول هذه الأخبار إخبار عن تفضّل الله سبحانه على العامل بالثواب المسموع ، وهو أيضا ليس لازما لأمر شرعي هو الموجب لهذا (٢) الثواب ، بل هو نظير قوله تعالى : ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾(٣) ملزوم لأمر إرشاديّ ـ يستقلّ به العقل ـ بتحصيل ذلك

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «والغرض».

(٢) في (ت) ، (ه) ومحتمل (ص) و (ظ): «بهذا».

(٣) الأنعام : ١٦٠.

الثواب المضاعف.

والحاصل : أنّه كان ينبغي للمتوهّم أن يقيس ما نحن فيه بما ورد من الثواب على نيّة الخير ، لا على ما ورد من الثواب في بيان المستحبّات.

الثمرة بين الأمر الإرشادي والاستحباب الشرعي

ثمّ إنّ الثمرة بين ما ذكرنا وبين الاستحباب الشرعيّ تظهر (١) في ترتّب الآثار الشرعيّة (٢) المترتّبة على المستحبّات الشرعيّة ، مثل ارتفاع الحدث المترتّب على الوضوء المأمور به شرعا ؛ فإنّ مجرّد ورود خبر غير معتبر بالأمر به لا يوجب إلاّ استحقاق الثواب عليه ، ولا يترتّب عليه رفع الحدث ، فتأمّل. وكذا الحكم باستحباب غسل المسترسل من اللحية في الوضوء من باب مجرّد الاحتياط ، لا يسوّغ جواز المسح ببلله ، بل يحتمل قويّا أن يمنع من المسح ببلله وإن قلنا بصيرورته مستحبّا شرعيّا ، فافهم.

__________________

(١) في النسخ : «يظهر».

(٢) لم ترد «الشرعيّة» في (ر) و (ظ).