درس بدایة الحکمة

جلسه ۲۱: وجود رابط و مستقل

 

الفصل الأول

[الوجود في نفسه والوجود في غيره]

من الوجود ما هو في غيره ومنه خلافه ، وذلك أنا إذا اعتبرنا القضايا الصادقة ، كقولنا الإنسان ضاحك ، وجدنا فيها وراء الموضوع والمحمول أمرا آخر ، به يرتبط ويتصل بعضهما إلى بعض ، ليس يوجد إذا اعتبر الموضوع وحده ولا المحمول وحده ، ولا إذا اعتبر كل منهما مع غير الآخر فله وجود ، ثم إن وجوده ليس ثالثا لهما ، واقعا بينهما مستقلا عنهما ، وإلا احتاج إلى رابطين آخرين يربطانه بالطرفين ، فكان المفروض ثلاثة خمسة ، ثم الخمسة تسعة وهلم جرا وهو باطل.

فوجوده قائم بالطرفين موجود فيهما ، غير خارج منهما ولا مستقل بوجه عنهما ، لا معنى له مستقلا بالمفهومية ، ونسميه الوجود الرابط ، وما كان بخلافه كوجود الموضوع والمحمول ، وهو الذي له معنى مستقل بالمفهومية ، نسميه الوجود المحمولي والوجود المستقل ، فإذن الوجود منقسم إلى مستقل ورابط وهو المطلوب.

ويظهر مما تقدم أولا ، أن الوجودات الرابطة لا ماهية لها ، لأن الماهية ما يقال في جواب ما هو ، فلها لا محالة وجود محمولي ذو معنى مستقل بالمفهومية ، والرابط ليس كذلك.

وثانيا أن تحقق الوجود الرابط بين أمرين ، يستلزم اتحادا ما بينهما ، لكونه

واحدا غير خارج من وجودهما.

وثالثا أن الرابط ، إنما يتحقق في مطابق الهليات المركبة ، التي تتضمن ثبوت شيء لشيء ، وأما الهليات البسيطة ، التي لا تتضمن إلا ثبوت الشيء ، وهو ثبوت موضوعها فلا رابط في مطابقها ، إذ لا معنى لارتباط الشيء بنفسه ونسبته إليها

الفصل الثاني

[كيفية اختلاف الرابط والمستقل]

اختلفوا في أن الاختلاف بين الوجود الرابط والمستقل ، هل هو اختلاف نوعي ، بمعنى أن الوجود الرابط ذو معنى تعلقي ، لا يمكن تعقله على الاستقلال ، ويستحيل أن يسلخ عنه ذلك الشأن ، فيعود معنى اسميا بتوجيه الالتفات إليه ، بعد ما كان معنى حرفيا ، أو لا اختلاف نوعيا بينهما.

والحق هو الثاني ، لما سيأتي في مرحلة العلة والمعلول (١) ، أن وجودات المعاليل رابطة بالنسبة إلى عللها ، ومن المعلوم أن منها ما وجوده جوهري ، ومنها ما وجوده عرضي ، وهي جميعا وجودات محمولية مستقلة ، تختلف حالها بالقياس إلى عللها وأخذها في نفسها ، فهي بالنظر إلى عللها وجودات رابطة ، وبالنظر إلى أنفسها وجودات مستقلة ، فإذن المطلوب ثابت.

ويظهر مما تقدم ، أن المفهوم تابع في استقلاله بالمفهومية وعدمه ، لوجوده الذي ينتزع منه وليس له من نفسه إلا الإبهام.

__________________

(١) المرحلة السابعة الفصل الثالث.