درس بدایة الحکمة

جلسه ۲۷: اعتباری بودن امکان و همراه بودن آن با ماهیت و احتیاج امکان به علت

 

النطفة الواقعة في مجرى تكون الإنسان.

ولذا كان الإمكان الاستعدادي قابلا للشدة والضعف ، فإمكان تحقق الإنسانية في العلقة أقوى منه في النطفة ، بخلاف الإمكان الذاتي فلا شدة ولا ضعف فيه.

ولذا أيضا ، كان الإمكان الاستعدادي يقبل الزوال عن الممكن ، فإن الاستعداد يزول بعد تحقق المستعد له بالفعل ، بخلاف الإمكان الذاتي فإنه لازم الماهية ، هو معها حيثما تحققت.

ولذا أيضا كان الإمكان الاستعدادي ، ومحله المادة بالمعنى الأعم (١) ، يتعين معه الممكن المستعد له ، كالإنسانية التي تستعد لها المادة ، بخلاف الإمكان الذاتي الذي في الماهية ، فإنه لا يتعين معه لها الوجود أو العدم.

والفرق بين الإمكان الاستعدادي والوقوعي ، أن الاستعدادي إنما يكون في الماديات ، والوقوعي أعم موردا.

الفصل السابع

في أن الإمكان اعتبار عقلي وأنه لازم للماهية

أما أنه اعتبار عقلي ، فلأنه يلحق الماهية المأخوذة عقلا ، مع قطع النظر عن الوجود والعدم ، والماهية المأخوذة كذلك اعتبارية بلا ريب ، فما يلحق بها بهذا الاعتبار كذلك بلا ريب ، وهذا الاعتبار العقلي لا ينافي كونها ، بحسب نفس الأمر إما موجودة أو معدومة ، ولازمه كونها محفوفة بوجوبين أو امتناعين ،

__________________

(١) المادة بالمعنى الأعم تشمل المادة بالمعنى الأخص ، وهي الجوهر القابل للصور المنطبعة فيها ، كمادة العناصر لصورها ، وتشمل متعلق النفس المجردة ، كالبدن للنفس الناطقة ، وتشمل موضوع العرض ، كالجسم للمقادير والكيفيات. ـ منه (رحمه الله) ـ.

وأما كونه لازما للماهية ، فلأنا إذا تصورنا الماهية من حيث هي ، مع قطع النظر عن كل ما سواها ، لم نجد معها ضرورة وجود أو عدم ، وليس الإمكان إلا سلب الضرورتين فهي بذاتها ممكنة ، وأصل الإمكان وإن كان هذين السلبين ، لكن العقل يضع لازم هذين السلبين ، وهو استواء النسبة مكانهما ، فيعود الإمكان معنى ثبوتيا ، وإن كان مجموع السلبين منفيا.

الفصل الثامن

في حاجة الممكن إلى العلة وما هي علة احتياجه إليها

حاجة الممكن إلى العلة من الضروريات الأولية ، التي مجرد تصور موضوعها ومحمولها ، كاف في التصديق بها ، فإن من تصور الماهية الممكنة ، المتساوية النسبة إلى الوجود والعدم ، وتصور توقف خروجها من حد الاستواء إلى أحد الجانبين ، على أمر آخر يخرجها منه إليه ، لم يلبث أن يصدق به.

وهل علة حاجة الممكن إلى العلة هي الإمكان ، أو الحدوث الحق هو الأول وبه قالت الحكماء.

واستدل عليه بأن الماهية ، باعتبار وجودها ضرورية الوجود ، وباعتبار عدمها ضرورية العدم ، وهاتان الضرورتان بشرط المحمول ، وليس الحدوث إلا ترتب إحدى الضرورتين على الأخرى ، فإنه كون وجود الشيء بعد عدمه ، ومعلوم أن الضرورة ، مناط الغنى عن السبب وارتفاع الحاجة ، فما لم تعتبر الماهية بإمكانها لم يرتفع الوجوب ، ولم تحصل الحاجة إلى العلة.

برهان آخر ، إن الماهية لا توجد إلا عن إيجاد من العلة ، وإيجاد العلة