درس بدایة الحکمة

جلسه ۲۶: اقسام امکان

 

الاعتبار العقلي ، بمقايسة المحمول إلى الموضوع ، لا ينافي ثبوت الضرورة بحسب الخارج بثبوت العلة ، ويسمى الإمكان الأخص.

وقد يستعمل بمعنى سلب الضرورة من الجهات الثلاث ، والضرورة بشرط المحمول أيضا ، كقولنا زيد كاتب غدا بالإمكان ، ويختص بالأمور المستقبلة التي لم تتحقق بعد ، حتى يثبت فيها الضرورة بشرط المحمول ، وهذا الإمكان إنما يثبت بحسب الظن والغفلة ، عن أن كل حادث مستقبل إما واجب أو ممتنع ، لانتهائه إلى علل موجبة مفروغ عنها ، ويسمى الإمكان الاستقبالي.

وقد يستعمل الإمكان بمعنيين آخرين ، أحدهما ما يسمى الإمكان الوقوعي ، وهو كون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ، أي ليس ممتنعا بالذات أو بالغير ، وهو سلب الامتناع عن الجانب الموافق ، كما أن الإمكان العام سلب الضرورة عن الجانب المخالف.

وثانيهما الإمكان الاستعدادي وهو كما ذكروه ، نفس الاستعداد ذاتا وغيره اعتبارا ، فإن تهيؤ الشيء لأن يصير شيئا آخر ، له نسبة إلى الشيء المستعد ، ونسبة إلى الشيء المستعد له ، فبالاعتبار الأول يسمى استعدادا ، فيقال مثلا النطفة لها استعداد أن تصير إنسانا ، وبالاعتبار الثاني يسمى الإمكان الاستعدادي فيقال ، الإنسان يمكن أن يوجد في النطفة.

والفرق بينه وبين الإمكان الذاتي ، أن الإمكان الذاتي كما سيجيء (١) ، اعتبار تحليلي عقلي ، يلحق الماهية المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي صفة وجودية ، تلحق الماهية الموجودة ، فالإمكان الذاتي يلحق الماهية الإنسانية ، المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي ، يلحق

__________________

(١) في الفصل الآتي.

النطفة الواقعة في مجرى تكون الإنسان.

ولذا كان الإمكان الاستعدادي قابلا للشدة والضعف ، فإمكان تحقق الإنسانية في العلقة أقوى منه في النطفة ، بخلاف الإمكان الذاتي فلا شدة ولا ضعف فيه.

ولذا أيضا ، كان الإمكان الاستعدادي يقبل الزوال عن الممكن ، فإن الاستعداد يزول بعد تحقق المستعد له بالفعل ، بخلاف الإمكان الذاتي فإنه لازم الماهية ، هو معها حيثما تحققت.

ولذا أيضا كان الإمكان الاستعدادي ، ومحله المادة بالمعنى الأعم (١) ، يتعين معه الممكن المستعد له ، كالإنسانية التي تستعد لها المادة ، بخلاف الإمكان الذاتي الذي في الماهية ، فإنه لا يتعين معه لها الوجود أو العدم.

والفرق بين الإمكان الاستعدادي والوقوعي ، أن الاستعدادي إنما يكون في الماديات ، والوقوعي أعم موردا.

الفصل السابع

في أن الإمكان اعتبار عقلي وأنه لازم للماهية

أما أنه اعتبار عقلي ، فلأنه يلحق الماهية المأخوذة عقلا ، مع قطع النظر عن الوجود والعدم ، والماهية المأخوذة كذلك اعتبارية بلا ريب ، فما يلحق بها بهذا الاعتبار كذلك بلا ريب ، وهذا الاعتبار العقلي لا ينافي كونها ، بحسب نفس الأمر إما موجودة أو معدومة ، ولازمه كونها محفوفة بوجوبين أو امتناعين ،

__________________

(١) المادة بالمعنى الأعم تشمل المادة بالمعنى الأخص ، وهي الجوهر القابل للصور المنطبعة فيها ، كمادة العناصر لصورها ، وتشمل متعلق النفس المجردة ، كالبدن للنفس الناطقة ، وتشمل موضوع العرض ، كالجسم للمقادير والكيفيات. ـ منه (رحمه الله) ـ.