درس بدایة الحکمة

جلسه ۲۵: بطلان اولویت، محفوف بودن موجودات امکانیه به دو ضرورت و بیان اقسام امکان

 

عرفت في الفصل السابق استحالته.

الفصل الخامس

في أن الشيء ما لم يجب لم يوجد وبطلان القول بالأولوية

لا ريب أن الممكن ، الذي يتساوى نسبته إلى الوجود والعدم عقلا ، يتوقف وجوده على شيء يسمى علة وعدمه على عدمها.

وهل يتوقف وجود الممكن على أن يوجب العلة وجوده ، وهو الوجوب بالغير أو أنه يوجد بالخروج عن حد الاستواء ، وإن لم يصل إلى حد الوجوب ، وكذا القول في جانب العدم وهو المسمى بالأولويه ، وقد قسموها إلى الأولوية الذاتية ، وهي التي يقتضيها ذات الممكن وماهيته ، وغير الذاتية وهي خلافها ، وقسموا كلا منهما إلى ، كافية في تحقق الممكن وغير كافية.

والأولوية بأقسامها باطلة.

أما الأولوية الذاتية ، فلأن الماهية قبل الوجود باطلة الذات ، لا شيئية لها حتى تقتضي أولوية الوجود ، كافية أو غير كافية وبعبارة أخرى ، الماهية من حيث هي ليست إلا هي ، لا موجودة ولا معدومة ولا أي شيء آخر.

وأما الأولوية الغيرية ، وهي التي تأتي من ناحية العلة ، فلأنها لما لم تصل إلى حد الوجوب ، لا يخرج بها الممكن من حد الاستواء ، ولا يتعين بها له الوجود أو العدم (١) ، ولا ينقطع بها السؤال ، إنه لم وقع هذا دون ذاك ، وهو الدليل على أنه لم تتم بعد للعلة عليتها.

__________________

(١) وليس بين استواء الطرفين وتعيّن أحدهما واسطة ـ منه.

فتحصل ، أن الترجيح إنما هو بإيجاب العلة وجود المعلول ، بحيث يتعين له الوجود ويستحيل عليه العدم ، أو إيجابها عدمه فالشيء ، أعني الممكن ما لم يجب لم يوجد.

خاتمة ، ما تقدم من الوجوب ، هو الذي يأتي الممكن من ناحية علته ، وله وجوب آخر يلحقه بعد تحقق الوجود أو العدم ، وهو المسمى بالضرورة بشرط المحمول ، فالممكن الموجود محفوف بالضرورتين ، السابقة واللاحقة.

الفصل السادس

في معاني الإمكان

الإمكان المبحوث عنه هاهنا هو ، لا ضرورة الوجود والعدم بالنسبة إلى الماهية ، المأخوذة من حيث هي ، وهو المسمى بالإمكان الخاص والخاصي.

وقد يستعمل الإمكان بمعنى ، سلب الضرورة عن الجانب المخالف ، سواء كان الجانب الموافق ضروريا أو غير ضروري ، فيقال الشيء الفلاني ممكن أي ليس بممتنع ، وهو المستعمل في لسان العامة ، أعم من الإمكان الخاص ، ولذا يسمى إمكانا عاميا وعاما.

وقد يستعمل في معنى أخص من ذلك ، وهو سلب الضرورات الذاتية والوصفية والوقتية ، كقولنا الإنسان كاتب بالإمكان ، حيث إن الإنسانية لا تقتضي ضرورة الكتابة ، ولم يؤخذ في الموضوع وصف يوجب الضرورة ، ولا وقت كذلك ، وتحقق الإمكان بهذا المعنى في القضية ، بحسب

الاعتبار العقلي ، بمقايسة المحمول إلى الموضوع ، لا ينافي ثبوت الضرورة بحسب الخارج بثبوت العلة ، ويسمى الإمكان الأخص.

وقد يستعمل بمعنى سلب الضرورة من الجهات الثلاث ، والضرورة بشرط المحمول أيضا ، كقولنا زيد كاتب غدا بالإمكان ، ويختص بالأمور المستقبلة التي لم تتحقق بعد ، حتى يثبت فيها الضرورة بشرط المحمول ، وهذا الإمكان إنما يثبت بحسب الظن والغفلة ، عن أن كل حادث مستقبل إما واجب أو ممتنع ، لانتهائه إلى علل موجبة مفروغ عنها ، ويسمى الإمكان الاستقبالي.

وقد يستعمل الإمكان بمعنيين آخرين ، أحدهما ما يسمى الإمكان الوقوعي ، وهو كون الشيء بحيث لا يلزم من فرض وقوعه محال ، أي ليس ممتنعا بالذات أو بالغير ، وهو سلب الامتناع عن الجانب الموافق ، كما أن الإمكان العام سلب الضرورة عن الجانب المخالف.

وثانيهما الإمكان الاستعدادي وهو كما ذكروه ، نفس الاستعداد ذاتا وغيره اعتبارا ، فإن تهيؤ الشيء لأن يصير شيئا آخر ، له نسبة إلى الشيء المستعد ، ونسبة إلى الشيء المستعد له ، فبالاعتبار الأول يسمى استعدادا ، فيقال مثلا النطفة لها استعداد أن تصير إنسانا ، وبالاعتبار الثاني يسمى الإمكان الاستعدادي فيقال ، الإنسان يمكن أن يوجد في النطفة.

والفرق بينه وبين الإمكان الذاتي ، أن الإمكان الذاتي كما سيجيء (١) ، اعتبار تحليلي عقلي ، يلحق الماهية المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي صفة وجودية ، تلحق الماهية الموجودة ، فالإمكان الذاتي يلحق الماهية الإنسانية ، المأخوذة من حيث هي ، والإمكان الاستعدادي ، يلحق

__________________

(١) في الفصل الآتي.