درس بدایة الحکمة

جلسه ۴۹: الواحد لا یصدر عنه الا الواحد

 

فترجيح العلة لوجوده وإفاضتها له في ذلك الزمان ، ولو كانت العلة موجودة في زمان آخر ، معدومة في زمان وجود المعلول ، والإفاضة قائمة بوجودها ، كانت مفيضة للمعلول وهي معدومة هذا محال (١).

برهان آخر :

، حاجة الماهية المعلولة إلى العلة ، ليست إلا حاجة وجودها إلى العلة ، وليست الحاجة خارجة من وجودها ، بمعنى أن يكون هناك وجود وحاجة ، بل هي مستقرة في حد ذات وجودها ، فوجودها عين الحاجة والارتباط ، فهو وجود رابط بالنسبة إلى علته ، لا استقلال له دونها وهي مقومة له ، وما كان هذا شأنه استحال أن يوجد إلا متقوما بعلته ، معتمدا عليها ، فعند وجود المعلول يجب وجود علته وهو المطلوب.

الفصل الرابع

[قاعدة الواحد]

الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد وذلك ، أن من الواجب أن يكون بين العلة ومعلولها ، سنخية ذاتية ليست بين الواحد منهما وغير الآخر ، وإلا جاز كون كل شيء علة لكل شيء ، وكل شيء معلولا لكل شيء ، ففي العلة جهة مسانخة لمعلولها ، هي المخصصة لصدوره عنها ، فلو صدرت عن العلة الواحدة ، وهي

__________________

(١) الفرق بين هذه المسألة ومسألة : أنّ الشئ ما لم يجب لم يوجد ، أنّ المراد بالوجوب ههنا ، الوجوب بالقياس إلى الغير ، وفي تلك المسألة ، الوجوب بالغير. منه دام ظله.

التي ليست لها في ذاتها إلا جهة واحدة ، معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة ، غير راجعة إلى جهة واحدة بوجه من الوجوه ، لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها وهي ذات جهة واحدة ، وهذا محال.

ويتبين بذلك ، أن ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير ، فإن في ذاته جهة كثرة ، ويتبين أيضا أن العلل الكثيرة ، لا تتوارد على معلول واحد.

الفصل الخامس

في استحالة الدور والتسلسل في العلل

أما استحالة الدور وهو توقف وجود الشيء ، على ما يتوقف عليه وجوده ، إما بلا واسطة وهو الدور المصرح ، وإما بواسطة أو أكثر وهو الدور المضمر ، فلأنه يستلزم توقف وجود الشيء على نفسه ، ولازمه تقدم الشيء على نفسه بالوجود ، لتقدم وجود العلة على وجود المعلول بالضرورة.

وأما استحالة التسلسل ، وهو ترتب العلل لا إلى نهاية ، فمن أسد البراهين عليها ، ما أقامه الشيخ ، في إلهيات الشفاء ، ومحصله أنا إذا فرضنا معلولا وعلته ، وعلة علته وأخذنا هذه الجملة ، وجدنا كلا من الثلاثة ذا حكم ضروري يختص به ، فالمعلول المفروض معلول فقط ، وعلته علة لما بعدها معلولة لما قبلها ، وعلة العلة علة فقط غير معلولة ، فكان ما هو معلول فقط طرفا وما هو علة فقط طرفا آخر ، وكان ما هو علة ومعلول معا وسطا بين طرفين ، ثم إذا فرضنا الجملة أربعة مترتبة ، كان للطرفين ما تقدم من حكم الطرفين ، وكان الاثنان الواقعان ، بين الطرفين مشتركين في حكم الوسط ، وهو أن لهما العلية والمعلولية معا ، بالتوسط بين طرفين ، ثم كلما زدنا في عدد الجملة إلى ما لانهاية له ، كان الأمر جاريا على مجرى واحد ، وكان مجموع ما بين

الطرفين ، وهي العدة التي كل واحد من آحادها ، علة ومعلول معا وسطا له حكمه.

فلو فرضنا سلسلة من العلل مترتبة إلى غير النهاية ، كان ما وراء المعلول الأخير من الجملة غير المتناهية ، وسطا لا طرف له وهو محال.

وهذا البرهان يجري ، في كل سلسلة مترتبة من العلل ، التي لا تفارق وجودها وجود المعلول ، سواء كانت تامة أو ناقصة دون العلل المعدة.

ويدل على وجوب تناهي العلل التامة خاصة ، ما تقدم (١) أن وجود المعلول ، وجود رابط بالنسبة إلى علته ، فإنه لو ترتبت العلية والمعلولية ، في سلسلة غير متناهية ، من غير أن تنتهي إلى علة غير معلولة ، كانت وجودات رابطة متحققة من غير وجود نفسي ، مستقل تقوم به وهو محال.

ولهم على استحالة التسلسل حجج أخرى ، مذكورة في المطولات.

الفصل السادس

[العلة الفاعلية وأقسامها]

العلة الفاعلية وهي ، التي تفيض وجود المعلول وتفعله على أقسام ، وقد ذكروا في وجه ضبطها ، أن الفاعل إما أن يكون له علم بفعله أو لا ، والثاني إما أن يلائم فعله طبعه وهو الفاعل بالطبع ، أو لا يلائم وهو الفاعل بالقسر ، والأول وهو الذي له علم بفعله ، إن لم يكن فعله بإرادته فهو الفاعل بالجبر ، وإن كان بها فإما أن يكون علمه بفعله ، في مرتبة فعله بل عين فعله ، وهو الفاعل بالرضا ، وإما أن يكون علمه بفعله قبل فعله ،

__________________

(١) في الفصل الثالث.