درس بدایة الحکمة

جلسه ۵۰: بطلان تسلسل و اقسام علل فاعلیه

 

الطرفين ، وهي العدة التي كل واحد من آحادها ، علة ومعلول معا وسطا له حكمه.

فلو فرضنا سلسلة من العلل مترتبة إلى غير النهاية ، كان ما وراء المعلول الأخير من الجملة غير المتناهية ، وسطا لا طرف له وهو محال.

وهذا البرهان يجري ، في كل سلسلة مترتبة من العلل ، التي لا تفارق وجودها وجود المعلول ، سواء كانت تامة أو ناقصة دون العلل المعدة.

ويدل على وجوب تناهي العلل التامة خاصة ، ما تقدم (١) أن وجود المعلول ، وجود رابط بالنسبة إلى علته ، فإنه لو ترتبت العلية والمعلولية ، في سلسلة غير متناهية ، من غير أن تنتهي إلى علة غير معلولة ، كانت وجودات رابطة متحققة من غير وجود نفسي ، مستقل تقوم به وهو محال.

ولهم على استحالة التسلسل حجج أخرى ، مذكورة في المطولات.

الفصل السادس

[العلة الفاعلية وأقسامها]

العلة الفاعلية وهي ، التي تفيض وجود المعلول وتفعله على أقسام ، وقد ذكروا في وجه ضبطها ، أن الفاعل إما أن يكون له علم بفعله أو لا ، والثاني إما أن يلائم فعله طبعه وهو الفاعل بالطبع ، أو لا يلائم وهو الفاعل بالقسر ، والأول وهو الذي له علم بفعله ، إن لم يكن فعله بإرادته فهو الفاعل بالجبر ، وإن كان بها فإما أن يكون علمه بفعله ، في مرتبة فعله بل عين فعله ، وهو الفاعل بالرضا ، وإما أن يكون علمه بفعله قبل فعله ،

__________________

(١) في الفصل الثالث.

وحينئذ إما أن يكون علمه مقرونا بداع زائد ، وهو الفاعل بالقصد ، وإما أن لا يكون علمه مقرونا بداع زائد ، بل يكون نفس العلم فعليا منشأ لصدور المعلول ، وحينئذ فإما أن يكون علمه زائدا على ذاته ، وهو الفاعل بالعناية ، أو غير زائد على ذاته وهو الفاعل بالتجلي ، والفاعل في ما تقدم إذا نسب إلى فعله ، من جهة أنه وفعله فعل لفاعل آخر ، كان فاعلا بالتسخير.

فللفاعل أقسام ثمانية ، أحدها الفاعل بالطبع وهو الذي لا علم له بفعله ، مع كون الفعل ملائما لطبعه ، كالنفس في مرتبة القوى البدنية الطبيعية ، تفعل أفعالها بالطبع.

الثاني الفاعل بالقسر ، وهو الذي لا علم له بفعله ولا فعله ملائم لطبعه ، كالنفس في مرتبة القوى عند المرض ، فإن الأفعال تنحرف فيه عن مجرى الصحة لعوامل قاسرة.

الثالث الفاعل بالجبر وهو ما له علم بفعله ، وليس بإرادته كالإنسان يكره على فعل ما لا يريده.

الرابع الفاعل بالرضا وهو الذي له إرادة ، وعلمه التفصيلي بالفعل عين الفعل ، وليس له قبل الفعل إلا علم إجمالي به بعلمه بذاته ، كالإنسان يفعل الصور الخيالية وعلمه التفصيلي بها عينها ، وله قبلها علم إجمالي بها بعلمه بذاته ، وكفاعلية الواجب للأشياء عند الإشراقيين.

الخامس الفاعل بالقصد ، وهو الذي له إرادة وعلم بفعله قبل الفعل ، بداع زائد كالإنسان في أفعاله الاختيارية.

السادس الفاعل بالعناية ، وهو الذي له إرادة وعلم ، سابق على الفعل زائد على ذات الفاعل ، نفس الصورة العلمية منشأ لصدور الفعل ، من غير داع زائد ، كالإنسان الواقع على جذع عال ، فإنه بمجرد توهم السقوط يسقط على الأرض ، وكالواجب في إيجاده على قول المشائين.

السابع الفاعل بالتجلي وهو الذي يفعل الفعل ، وله علم سابق