درس بدایة الحکمة

جلسه ۶۸: هر حادث زمانی مسبوق به قوه‌ی وجود است

 

وهذا الإمكان أمر خارجي ، لا معنى عقلي اعتباري لاحق بماهية الشيء ، لأنه يتصف بالشدة والضعف والقرب والبعد ، فالنطفة التي فيها إمكان أن يصير إنسانا ، أقرب إلى الإنسانية من الغذاء الذي يتبدل نطفة ، والإمكان فيها أشد منه فيه.

وإذ كان هذا الإمكان أمرا موجودا في الخارج ، فليس جوهرا قائما بذاته وهو ظاهر ، بل هو عرض قائم بشيء آخر ، فلنسمه قوة ولنسم موضوعه مادة ، فإذن لكل حادث زماني ، مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده.

ويجب أن تكون المادة ، غير آبية عن الفعلية التي تحمل إمكانها ، فهي في ذاتها قوة الفعلية التي فيها إمكانها ، إذ لو كانت ذات فعلية في نفسها ، لأبت عن قبول فعلية أخرى ، بل هي جوهر فعلية وجوده أنه قوة الأشياء ، وهي لكونها جوهرا بالقوة قائمة بفعلية أخرى ، إذا حدثت الفعلية التي فيها قوتها ، بطلت الفعلية الأولى ، وقامت مقامها الفعلية الحديثة ، كالماء إذا صار هواء بطلت الصورة المائية ، التي كانت تقوم المادة الحاملة لصورة الهواء ، وقامت الصورة الهوائية مقامها ، فتقومت بها المادة التي كانت تحمل إمكانها.

ومادة الفعلية الجديدة الحادثة ، والفعلية السابقة الزائلة واحدة ، وإلا كانت حادثة بحدوث الفعلية الحادثة ، فاستلزمت إمكانا آخر ومادة أخرى وهكذا ، فكانت لحادث واحد ، مواد وإمكانات غير متناهية وهو محال ، ونظير الإشكال لازم فيما لو فرض للمادة حدوث زماني.

وقد تبين بما مر أيضا أولا ، أن كل حادث زماني ، فله مادة تحمل قوة وجوده.

وثانيا أن مادة الحوادث الزمانية ، واحدة مشتركة بينها.

وثالثا أن النسبة بين المادة وقوة الشيء ، التي تحملها نسبة الجسم الطبيعي والجسم التعليمي ، فقوة الشيء الخاص تعين قوة المادة المبهمة ، كما أن الجسم التعليمي تعين ، الامتدادات الثلاث المبهمة في الجسم الطبيعي.

ورابعا أن وجود الحوادث الزمانية ، لا ينفك عن تغير في صورها إن

كانت جواهر ، أو في أحوالها إن كانت أعراضا.

وخامسا أن القوة تقوم دائما بفعلية ، والمادة تقوم دائما بصورة تحفظها ، فإذا حدثت صورة بعد صورة ، قامت الصورة الحديثة مقام القديمة وقومت المادة.

وسادسا يتبين بما تقدم ، أن القوة تتقدم على الفعل الخاص تقدما زمانيا ، وأن مطلق الفعل يتقدم على القوة ، بجميع أنحاء التقدم ، من علي وطبعي وزماني وغيرها.

الفصل الثاني

في تقسيم التغير

قد عرفت أن من لوازم خروج الشيء ، من القوة إلى الفعل حصول التغير ، إما في ذاته أو في أحوال ذاته ، فاعلم أن حصول التغير إما دفعي وإما تدريجي ، والثاني هو الحركة وهي نحو وجود تدريجي للشيء ، ينبغي أن يبحث عنها من هذه الجهة في الفلسفة الأولى.

الفصل الثالث

في تحديد الحركة

قد تبين في الفصل السابق ، أن الحركة خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا ، وإن شئت فقل هي تغير الشيء تدريجا ، والتدريج معنى بديهي التصور بإعانة الحس عليه ، وعرفها المعلم الأول ، بأنها ، كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة ، وتوضيحه أن حصول ، ما يمكن أن يحصل