درس بدایة الحکمة

جلسه ۷۰: اقسام حرکت و مبدأ و منتهای حرکت

 

للشيء كمال له ، والشيء الذي يقصد بالحركة حالا من الأحوال ، كالجسم مثلا ، يقصد مكانا ليتمكن فيه فيسلك إليه ، كان كل من السلوك والتمكن في المكان الذي يسلك إليه ، كمالا لذلك الجسم ، غير أن السلوك كمال أول لتقدمه والتمكن كمال ثان ، فإذا شرع في السلوك فقد تحقق له كمال لكن لا مطلقا ، بل من حيث إنه بعد بالقوة ، بالنسبة إلى كماله الثاني ، وهو التمكن في المكان الذي يريده ، فالحركة كمال أول لما هو بالقوة ، بالنسبة إلى الكمالين ، من حيث إنه بالقوة بالنسبة إلى الكمال الثاني.

وقد تبين بذلك ، أن الحركة تتوقف في تحققها على أمور ستة ، المبدأ الذي منه الحركة ، والمنتهى الذي إليه الحركة ، والموضوع الذي له الحركة وهو المتحرك ، والفاعل الذي يوجد الحركة وهو المحرك ، والمسافة التي فيها الحركة ، والزمان الذي ينطبق عليه الحركة نوعا من الانطباق ، وسيجيء توضيح ذلك.

الفصل الرابع

في انقسام الحركة إلى توسطية وقطعية

تعتبر الحركة بمعنيين أحدهما ، كون الجسم بين المبدإ والمنتهى ، بحيث كل حد فرض في الوسط ، فهو ليس قبله ولا بعده فيه ، وهو حالة بسيطة ثابتة لا انقسام فيها ، وتسمى الحركة التوسطية.

وثانيهما الحالة المذكورة ، من حيث لها نسبة إلى حدود المسافة ، من حد تركها ومن حد لم يبلغها ، أي إلى قوة تبدلت فعلا ، وإلى قوة باقية على حالها بعد ، يريد المتحرك أن يبدلها فعلا ، ولازمه الانقسام إلى الأجزاء ، والانصرام والتقضي تدريجا ، كما أنه خروج من القوة إلى الفعل تدريجا ، وتسمى الحركة

القطعية ، والمعنيان جميعا موجودان في الخارج ، لانطباقهما عليه بجميع خصوصياتهما.

وأما الصورة التي يأخذها الخيال من الحركة ، بأخذ الحد بعد الحد من الحركة وجمعها فيه ، صورة متصلة مجتمعة منقسمة إلى الأجزاء ، فهي ذهنية لا وجود لها في الخارج ، لعدم جواز اجتماع الأجزاء في الحركة ، وإلا كان ثباتا لا تغيرا.

وقد تبين بذلك ، أن الحركة ونعني بها القطعية ، نحو وجود سيال منقسم إلى أجزاء ، تمتزج فيه القوة والفعل ، بحيث يكون كل جزء مفروض فيه ، فعلا لما قبله من الأجزاء وقوة لما بعده ، وينتهي من الجانبين إلى قوة لا فعل معها ، وإلى فعل لا قوة معه.

الفصل الخامس

في مبدإ الحركة ومنتهاها

قد عرفت (١) أن في الحركة انقساما لذاتها ، فاعلم أن هذا الانقسام لا يقف على حد ، نظير الانقسام الذي في الكميات المتصلة القارة ، من الخط والسطح والجسم ، إذ لو وقف على حد كان جزءا لا يتجزأ ، وقد تقدم بطلانه (٢).

وأيضا هو انقسام بالقوة لا بالفعل ، إذ لو كان بالفعل بطلت الحركة ، لانتهاء القسمة إلى أجزاء دفعية الوقوع.

وبذلك يتبين ، أنه لا مبدأ للحركة ولا منتهى لها ، بمعنى الجزء الأول

__________________

(١) في الفصل السابق.

(٢) في الفصل الثالث من المرحلة السادسة.

الذي لا ينقسم ، من جهة الحركة والجزء الآخر الذي كذلك ، لما عرفت آنفا أن الجزء بهذا المعنى ، دفعي الوقوع غير تدريجية ، فلا ينطبق عليه حد الحركة ، لأنها تدريجية الذات.

وأما ما تقدم (١) ، أن الحركة تنتهي من الجانبين ، إلى قوة لا فعل معها وفعل لا قوة معه ، فهو تحديد لها بالخارج من ذاتها.

الفصل السادس

في موضوع الحركة وهو المتحرك الذي يتلبس بها

قد عرفت (٢) أن الحركة ، خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا ، وأن هذه القوة يجب أن تكون محمولة ، في أمر جوهري قائمة به ، وهذا الذي بالقوة كمال بالقوة للمادة متحد معها ، فإذا تبدلت القوة فعلا ، كان الفعل متحدا مع المادة مكان القوة ، فمادة الماء مثلا هواء بالقوة ، وكذا الجسم الحامض حلو بالقوة ، فإذا تبدلت الماء هواءا والحموضة حلاوة ، كانت المادة التي في الماء هي المتلبسة بالهوائية ، والجسم الحامض هو المتلبس بالحلاوة ، ففي كل حركة موضوع ، تنعته الحركة وتجري عليه.

ويجب أن يكون موضوع الحركة أمرا ثابتا ، تجري وتتجدد عليه الحركة ، وإلا كان ما بالقوة غير ما يخرج إلى الفعل ، فلم تتحقق الحركة التي هي ، خروج الشيء من القوة إلى الفعل تدريجا.

ويجب أن لا يكون موضوع الحركة ، أمرا بالفعل من كل جهة ، كالعقل

__________________

(١) في الفصل السابق.

(٢) مرّ الأول في الفصل الثالث ، والثاني في الفصل الأول.