درس بدایة الحکمة

جلسه ۷۵: استدلال بر حرکت جوهری و جواب اشکالات

 

فالذاتية لا بد أن تتم في الجواهر.

وأورد عليه أيضا ، أن القوم صححوا ارتباط ، هذه الأعراض المتجددة إلى المبدإ الثابت ، من طبيعة وغيرها بنحو آخر ، وهو أن التغير لاحق لها من خارج ، كتجدد مراتب قرب وبعد ، من الغاية المطلوبة في الحركات الطبيعية ، وكتجدد أحوال أخرى في الحركات القسرية ، التي على خلاف الطبيعة ، وكتجدد إرادات جزئية منبعثة من النفس ، في كل حد من حدود الحركات النفسانية ، التي مبدؤها النفس.

وأجيب عنه بأنا ننقل الكلام ، إلى هذه الأحوال والإرادات المتجددة ، من أين تجددت ، فإنها لا محالة تنتهي ، في الحركات الطبيعية إلى الطبيعة ، وكذا في القسرية ، فإن القسر ينتهي إلى الطبيعة ، وكذا في النفسانية فإن الفاعل المباشر ، للتحريك فيها أيضا الطبيعة كما سيجيء (١).

ويمكن أن يستدل على الحركة في الجوهر بما تقدم (٢) : أن وجود العرض من مراتب وجود الجوهر ، من حيث كون وجوده في نفسه عين وجوده للجوهر ، فتغيره وتجدده تغير للجوهر وتجدد له.

ويتفرع على ما تقدم أولا ، أن الصور الطبيعية المتبدلة ، صورة بعد صورة على المادة بالحقيقة ، صورة جوهرية واحدة سيالة ، تجري على المادة ، وينتزع من كل حد من حدودها ، مفهوم مغاير لما ينتزع من غيره.

هذا في تبدل الصور الطبيعية بعضها من بعض ، وهناك حركة اشتدادية جوهرية أخرى ، هي حركة المادة الأولى إلى الطبيعية ، ثم النباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية.

وثانيا أن الجوهر المتحرك في جوهره ، متحرك بجميع أعراضه ، لما سمعت

__________________

(١) في الفصل السادس عشر.

(٢) في الفصل الثالث من المرحلة الثالثة.

من حديث كون وجود الأعراض ، من مراتب وجود الجوهر الموضوع لها.

ولازم ذلك كون حركة الجوهر ، في المقولات الأربع أو الثلاث (١) من قبيل الحركة في الحركة ، وعلى هذا ينبغي أن تسمى هذه الحركات الأربع ، أو الثلاث حركات ثانية ، وما لمطلق الأعراض من الحركة ، بتبع الجوهر لا بعرضه حركات أولى.

وثالثا أن العالم الجسماني بمادته الواحدة ، حقيقة واحدة سيالة ، متحركة بجميع جواهرها وأعراضها قافلة واحدة ، إلى غاية ثابتة لها الفعلية المحضة.

الفصل الثاني عشر

في موضوع الحركة الجوهرية وفاعلها

قالوا إن موضوع هذه الحركة ، هو المادة المتحصلة بصورة ما من الصور ، المتعاقبة المتحدة بالاتصال والسيلان ، فوحدة المادة وشخصيتها محفوظة ، بصورة ما من الصور المتبدلة ، وصورة ما وإن كانت مبهمة ، لكن وحدتها محفوظة بجوهر مفارق ، هو الفاعل للمادة ، الحافظ لها ولوحدتها وشخصيتها بصورة ما ، فصورة ما شريكة العلة للمادة ، والمادة المتحصلة بها هي موضوع الحركة.

وهذا كما أن القائلين بالكون والفساد ، النافين للحركة الجوهرية قالوا ، أن فاعل المادة هو صورة ما ، محفوظة وحدتها بجوهر مفارق ، يفعلها ويفعل المادة بواسطتها ، فصورة ما شريكة العلة بالنسبة إلى المادة ، حافظة لتحصلها ووحدتها.

والتحقيق أن حاجة الحركة ، إلى موضوع ثابت باق ما دامت الحركة ، إن كانت لأجل أن تنحفظ به وحدة الحركة ، ولا تنثلم بطرو الانقسام عليها ،

__________________

(١) والتثليث باعتبار رجوع الأين إلى الوضع.