درس بدایة الحکمة

جلسه ۷۷: زمان

 

وعدم اجتماع أجزائها في الوجود ، فاتصال الحركة في نفسها ، وكون الانقسام وهميا غير فكي كاف في ذلك ، وإن كانت لأجل أنها معنى ناعتي ، يحتاج إلى أمر موجود لنفسه ، حتى يوجد له وينعته ، كما أن الأعراض والصور الجوهرية المنطبعة ، في المادة تحتاج إلى موضوع كذلك ، توجد له وتنعته ، فموضوع الحركات العرضية أمر جوهري غيرها ، وموضوع الحركة الجوهرية نفس الحركة ، إذ لا نعني بموضوع الحركة ، إلا ذاتا تقوم به الحركة وتوجد له ، والحركة الجوهرية لما كانت ذاتا جوهرية سيالة ، كانت قائمة بذاتها موجودة لنفسها ، فهي حركة ومتحركة في نفسها.

وإسناد الموضوعية إلى المادة التي ، تجري عليها الصور الجوهرية على نحو الاتصال والسيلان ، لمكان اتحادها معها ، وإلا فهي في نفسها عارية عن كل فعلية.

الفصل الثالث عشر

في الزمان

إنا نجد الحوادث الواقعة ، تحت الحركة منقسمة إلى قطعات ، لا تجامع قطعة منها القطعة الأخرى في فعلية الوجود ، لما أن فعلية وجود القطعة المفروضة ثانيا ، متوفقة على زوال الوجود الفعلي للقطعة الأولى ، ثم نجد القطعة الأولى المتوقف عليها ، منقسمة في نفسها إلى قطعتين كذلك ، لا تجامع إحداهما الأخرى ، وهكذا كلما حصلنا قطعة ، قبلت القسمة إلى قطعتين كذلك ، من دون أن تقف القسمة على حد.

ولا يتأتى هذا إلا بعروض امتداد كمي على الحركة ، تتقدر به وتقبل الانقسام ، وليس هذا الامتداد نفس حقيقة الحركة ، لأنه امتداد متعين ، وما

في الحركة في نفسها امتداد مبهم ، نظير الامتداد المبهم الذي في الجسم الطبيعي ، وتعينه الذي هو الجسم التعليمي.

فهذا الامتداد الذي به تعين امتداد الحركة ، كم متصل عارض للحركة نظير الجسم التعليمي الذي به تعين امتداد الجسم الطبيعي ، للجسم الطبيعي ، إلا أن هذا الكم العارض للحركة ، غير قار ولا يجامع بعض أجزائه المفروضة بعضا ، بخلاف كمية الجسم التعليمي ، فإنها قارة مجتمعة الأجزاء.

وهذا هو الزمان العارض للحركة ومقدارها ، وكل جزء منه من حيث أنه ، متوقف عليه الآخر متقدم بالنسبة إليه ، ومن حيث إنه متوقف متأخر بالنسبة إلى ما توقف عليه ، والطرف منه الحاصل بالقسمة هو الآن.

وقد تبين بما تقدم أولا ، أن لكل حركة زمانا خاصا بها ، هو مقدار تلك الحركة ، وقد أطبق الناس على تقدير عامة الحركات ، وتعيين النسب بينها بالزمان العام ، الذي هو مقدار الحركة اليومية ، لكونه معروفا عندهم مشهودا لهم كافة ، وقد قسموه إلى القرون والسنين والشهور والأسابيع ، والأيام والساعات والدقائق والثواني وغيرها ، لتقدير الحركات بالتطبيق عليها.

والزمان الذي له دخل في الحوادث الزمانية ، عند المثبتين للحركة الجوهرية ، هو زمان الحركة الجوهرية.

وثانيا أن التقدم والتأخر ، ذاتيان بين أجزاء الزمان ، بمعنى أن كون وجود الزمان سيالا غير قار ، يقتضي أن ينقسم لو انقسم ، إلى جزء يتوقف على زواله وجود جزء آخر بالفعل ، والمتوقف عليه هو المتقدم والمتوقف هو المتأخر ، وثالثا أن الآن ، وهو طرف الزمان والحد الفاصل ، بين الجزءين لو انقسم هو أمر عدمي ، لكون الانقسام وهميا غير فكي.

ورابعا أن تتالي الآنات ، وهو اجتماع حدين عدميين أو أكثر ، من غير تخلل جزء من الزمان ، فاصل بينهما محال وهو ظاهر ، ومثله الكلام في تتالي الآنيات ، المنطبقة على طرف الزمان كالوصول والافتراق.

وخامسا أن الزمان لا أول له ولا آخر له ، بمعنى الجزء الذي لا ينقسم من مبتدئه أو منتهاه ، لأن قبول القسمة ذاتي له.

الفصل الرابع عشر

في السرعة والبطؤ

إذا فرضنا حركتين واعتبرنا النسبة بينهما ، فإن تساوتا زمانا ، فأكثرهما قطعا للمسافة أسرعهما ، وإن تساوتا مسافة فأقلهما زمانا أسرعهما ، فالسرعة قطع مسافة كثيرة في زمان قليل ، والبطؤ خلافه.

قالوا إن البطؤ ليس بتخلل السكون ، بأن تكون الحركة ، كلما كان تخلل السكون فيها أكثر كانت أبطأ ، وكلما كان أقل كانت أسرع ، وذلك لاتصال الحركة بامتزاج القوة والفعل فيها ، فلا سبيل إلى تخلل السكون فيها.

وقالوا إن السرعة والبطؤ ، متقابلان تقابل التضاد ، وذلك لأنهما وجوديان ، فليس تقابلهما تقابل التناقض ، أو العدم والملكة وليسا بالمتضائفين ، وإلا كانا كلما ثبت أحدهما ، ثبت الآخر وليس كذلك ، فلم يبق إلا أن يكونا متضادين ، وهو المطلوب.

وفيه أن من شرط المتضادين ، أن يكون بينهما غاية الخلاف ، وليست بمتحققة بين السرعة والبطؤ ، إذ ما من سريع ، إلا ويمكن أن يفرض ما هو أسرع منه ، وكذا ما من بطيء ، إلا ويمكن أن يفرض ما هو أبطأ منه.

والحق أن السرعة والبطؤ وصفان إضافيان ، فسرعة حركة بالنسبة إلى أخرى ، بطؤ بعينها بالنسبة إلى ثالثة ، وكذلك الأمر في البطؤ ، والسرعة بمعنى الجريان والسيلان خاصة لمطلق الحركة ، ثم تشتد وتضعف ، فيحدث بإضافة بعضها إلى بعض السرعة والبطؤ الإضافيان.