درس بدایة الحکمة

جلسه ۸۹: تقسیمات علم حصولی

 

وفيه أن الإدراكات ، إذا فرضت غير كاشفة عما وراءها ، فمن أين علم أن هناك حقائق وراء الإدراك ، لا يكشف عنها الإدراك ، ثم من أدرك أن حقيقة الصوت في خارج السمع ، ارتعاش بعدد كذا ، وحقيقة المبصر في خارج البصر ارتعاش بعدد كذا ، وهل يصل الإنسان إلى الصواب الذي يخطى فيه الحواس ، إلا من طريق الإدراك الإنساني.

وبعد ذلك كله تجويز ، أن لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه ، لا يحتمل إلا السفسطة ، حتى أن قولنا ، يجوز أن لا ينطبق شيء من إدراكاتنا على الخارج ، لا يؤمن أن لا يكشف ، بحسب مفاهيم مفرداته والتصديق ، الذي فيه عن شيء.

الفصل التاسع

وينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري

والحقيقي هو المفهوم الذي يوجد ، تارة بوجود خارجي فيترتب عليه آثاره ، وتارة بوجود ذهني لا يترتب عليه آثاره ، وهذا هو الماهية ، والاعتباري ما كان بخلاف ذلك ، وهو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها ، حيثية أنه في الخارج ، كالوجود وصفاته الحقيقية ، كالوحدة والفعلية وغيرهما ، فلا يدخل الذهن وإلا لانقلب ، وإما من المفاهيم التي حيثية مصداقها ، حيثية أنه في الذهن ، كمفهوم الكلي والجنس والنوع ، فلا يوجد في الخارج وإلا لانقلب.

وهذه المفاهيم إنما يعملها الذهن بنوع من التعمل ، ويوقعها على مصاديقها ، لكن لا كوقوع الماهية وحملها على أفرادها ، بحيث تؤخذ في حدها.

ومما تقدم يظهر أولا ، أن ما كان من المفاهيم ، محمولا على الواجب

والممكن معا ، كالوجود والحياة فهو اعتباري ، وإلا لكان الواجب ذا ماهية تعالى عن ذلك.

وثانيا أن ما كان منها ، محمولا على أزيد من مقولة واحدة ، كالحركة فهو اعتباري ، وإلا كان مجنسا بجنسين فأزيد وهو محال.

وثالثا أن المفاهيم الاعتبارية لا حد لها ، ولا تؤخذ في حد ماهية من الماهيات.

وللاعتباري معان أخر خارجة عن بحثنا ، منها الاعتباري مقابل الأصيل كالماهية مقابل الوجود ، ومنها الاعتباري بمعنى ما ليس له وجود منحاز ، مقابل ما له وجود منحاز ، كالإضافة الموجودة بوجود طرفيها ، مقابل الجوهر الموجود بنفسه (١) ، ومنها ما يوقع ويحمل على الموضوعات ، بنوع من التشبيه والمناسبة ، للحصول على غاية عملية ، كإطلاق الرأس على زيد ، لكون نسبته إلى القوم كنسبة الرأس إلى البدن ، حيث يدبر أمرهم ويصلح شأنهم ، ويشير إلى كل بما يخصه من واجب العمل.

الفصل العاشر

في أحكام متفرقة

منها أن المعلوم بالعلم الحصولي ينقسم ، إلى معلوم بالذات ومعلوم بالعرض ، والمعلوم بالذات هو ، الصورة الحاصلة بنفسها عند العالم ، والمعلوم بالعرض هو ، الأمر الخارجي الذي يحكيه الصورة العلمية ، ويسمى معلوما بالعرض والمجاز ، لاتحاد ما له مع المعلوم بالذات.

__________________

(١) وفي نهاية الحكمة : في نفسه.