درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳: خیار غبن ۳

 

استرداد بعض أحد العوضين من دون ردّ بعضَ الآخر ينافي مقتضى المعاوضة (١).

ويحتمل أيضاً أن يكون نفي اللزوم بتسلّط المغبون على إلزام الغابن بأحد الأمرين : من الفسخ في الكلّ ، ومن تدارك ما فات على المغبون بردّ القدر الزائد أو بدله ، ومرجعه إلى أنّ للمغبون الفسخ إذا لم يبذل الغابن التفاوت ، فالمبذول غرامةٌ لما فات على المغبون على تقدير إمضاء البيع ، لا هبةٌ مستقلّةٌ كما في الإيضاح وجامع المقاصد ، حيث انتصرا للمشهور القائلين بعدم سقوط الخيار ببذل الغابن للتفاوت ـ : بأنّ الهبة المستقلّة لا تُخرِج المعاملةَ عن الغبن الموجب للخيار (٢) ، وسيجي‌ء ذلك (٣).

وما ذكرنا نظير ما اختاره العلاّمة في التذكرة واحتمله في القواعد : من أنّه إذا ظهر كذب البائع مرابحةً في إخباره برأس المال فبذل المقدار الزائد مع ربحه ، فلا خيار للمشتري (٤) ، فإنّ مرجع هذا إلى تخيير البائع بين ردّ التفاوت وبين الالتزام بفسخ المشتري.

سقوط الخيار مع بذل الغابن التفاوت للمغبون

وحاصل الاحتمالين : عدم الخيار للمغبون مع بذل الغابن للتفاوت ، فالمتيقّن من ثبوت الخيار له صورة امتناع الغابن من البذل. ولعلّ هذا‌

__________________

(١) راجع القواعد ٢ : ٥٣٦ ، والمختلف ٦ : ٤٢٧.

(٢) الإيضاح ١ : ٤٨٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٩٤.

(٣) سيجي‌ء في الصفحة الآتية.

(٤) التذكرة ١ : ٥٤٤ ، ولم نعثر عليه في القواعد ، راجع مبحث المرابحة في القواعد ٢ : ٥٦.

هو الوجه في استشكال العلاّمة في التذكرة في ثبوت الخيار مع البذل (١) ، بل قول بعضٍ بعدمه (٢) كما يظهر من الرياض (٣).

المبذول ليس هبةً مستقلّةً

ثمّ إنّ المبذول ليس هبةً مستقلّةً حتّى يقال : إنّها لا تُخرِج المعاملة المشتملة على الغبن عن كونها مشتملةً عليه ، ولا جزءً من أحد العوضين حتّى يكون استرداده مع العوض الآخر جمعاً بين جزء العوض وتمام المعوّض (٤) منافياً لمقتضى المعاوضة ، بل هي غرامةٌ لما أتلفه الغابن عليه من الزيادة بالمعاملة الغبنيّة ، فلا يعتبر كونه من عين الثمن ، نظير الأرش في المعيب.

ما استُدلّ به على عدم سقوط الخيار مع البذل والمناقشة فيه

ومن هنا ظهر الخدشة فيما في الإيضاح والجامع ، من الاستدلال على عدم السقوط مع البذل بعد الاستصحاب ـ : بأنّ بذل التفاوت لا يُخرِج المعاملة عن كونها غبنيّةً ؛ لأنّها هبةٌ مستقلّة ، حتّى أنّه لو دفعه على وجه الاستحقاق لم يحلّ أخذه ؛ إذ لا ريب [في (٥)] أنّ من قَبِلَ هبة الغابن لا يسقط خياره (٦) ، انتهى بمعناه.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣ ، وفيه : «ولو دفع الغابن التفاوت احتمل سقوط خيار المغبون» ، نعم في القواعد (٢ : ٦٧) : «ولو دفع الغابن التفاوت فلا خيار على إشكال».

(٢) قال المحقّق النراقي في المستند (١٤ : ٣٩١) بعد نسبته ذلك إلى «قيل» وأنّه احتمله بعض المتأخّرين ـ : «وهو الأقوى».

(٣) راجع الرياض ١ : ٥٢٥.

(٤) كذا في «ق» ، وفي «ش» : «جزء المعوّض وتمام العوض».

(٥) لم يرد في «ق».

(٦) إيضاح الفوائد ١ : ٤٨٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٩٤ ٢٩٥.

وجه الخدشة : ما تقدّم (١) ، من احتمال كون المبذول غرامةً لما أتلفه الغابن على المغبون قد دلّ عليه نفي الضرر.

وأمّا الاستصحاب ، ففيه : أنّ الشكّ في اندفاع الخيار بالبذل لا في ارتفاعه به ؛ إذ (٢) المحتمل ثبوت الخيار على الممتنع دون الباذل.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ تدارك ضرر المغبون بأحد الاحتمالين المذكورين أولى من إثبات الخيار له ؛ لأنّ إلزام الغابن بالفسخ ضررٌ ؛ لتعلّق غرض الناس بما ينتقل إليهم من أعواض أموالهم خصوصاً النقود ، ونقض الغرض ضررٌ وإن لم يبلغ حدّ المعارضة لضرر المغبون ، إلاّ أنّه يصلح مرجِّحاً لأحد الاحتمالين المذكورين على ما اشتهر من تخييره بين الردّ والإمضاء بكلّ الثمن ، إلاّ أن يعارض ذلك بأنّ غرض المغبون قد يتعلّق بتملّك عينٍ ذات قيمةٍ ؛ لكون المقصود اقتناءها للتجمّل ، وقد يستنكف عن اقتناء ذات القيمة اليسيرة للتجمّل ، فتأمّل.

الاستدلال على خيار الغبن بالأخبار الواردة في حكم الغبن

وقد يستدلّ على الخيار بأخبارٍ واردةٍ في حكم الغبن :

فعن الكافي بسنده إلى إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «غبن المسترسل سحتٌ» (٣). وعن ميسّر عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «غبن المؤمن حرامٌ» (٤) ، وفي روايةٍ أُخرى : «لا تغبن المسترسل ،

__________________

(١) تقدّم آنفاً.

(٢) في «ش» زيادة : «من».

(٣) الكافي ٥ : ١٥٣ ، الحديث ١٤ ، وعنه في الوسائل ١٢ : ٣٦٣ ، الباب ١٧ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٤) الكافي ٥ : ١٥٣ ، الحديث ١٥ ، والوسائل ١٢ : ٣٦٤ ، الباب ١٧ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

فإنّ غبنه لا يحلّ» (١).

وعن مجمع البحرين : أنّ الاسترسال الاستئناس والطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدّثه ، واصلة السكون والثبات ، ومنه الحديث : «أيّما مسلمٍ استرسل إلى مسلم فغبنه فهو كذا» ، ومنه : «غبن المسترسل سحتٌ» (٢) ، انتهى. ويظهر منه أنّ ما ذكره أوّلاً حديثٌ رابعٌ.

عدم دلالة الاخبار المذكورة على المدّعى

والإنصاف : عدم دلالتها على المدّعى ؛ فإنّ ما عدا الرواية الأُولى ظاهرةٌ في حرمة الخيانة في المشاورة ، فيحتمل كون الغبن بفتح الباء.

وأمّا الرواية الأُولى ، فهي وإن كانت ظاهرةً فيما يتعلّق بالأموال ، لكن يحتمل حينئذٍ أن يراد كون الغابن بمنزلة آكل السحت في استحقاق العقاب على أصل العمل والخديعة في أخذ المال. ويحتمل أن يراد كون المقدار الذي يأخذه زائداً على ما يستحقّه بمنزلة السحت في الحرمة والضمان. ويحتمل إرادة كون مجموع العوض المشتمل على الزيادة بمنزلة السحت في تحريم الأكل في صورةٍ خاصّةٍ ، وهي اطّلاع المغبون وردّه للمعاملة المغبون فيها. ولا ريب أنّ الحمل على أحد الأوّلين أولى ، ولا أقلّ من المساواة للثالث ، فلا دلالة.

العمدة في المسألة الإجماع

فالعمدة في المسألة الإجماع المحكيّ المعتضد بالشهرة المحقّقة ، وحديث نفي الضرر بالنسبة إلى خصوص الممتنع عن بذل التفاوت.

ثمّ إنّ تنقيح هذا المطلب يتمّ برسم مسائل :

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٨٥ ، الباب ٢ من أبواب الخيار ، الحديث ٧.

(٢) مجمع البحرين ٥ : ٣٨٣ ، مادّة «رسل».

مسألة

شرائط خيار الغبن

يشترط في هذا الخيار أمران :

الأوّل : جهل المغبون بالقيمة

الأوّل : عدم علم المغبون بالقيمة ، فلو علم بالقيمة فلا خيار ، بل لا غبن كما عرفت بلا خلافٍ ولا إشكالٍ ؛ لأنّه أقدم على الضرر.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق بين كونه غافلاً من القيمة بالمرّة أو ملتفتاً إليها ، ولا بين كونه مسبوقاً بالعلم وعدمه ، ولا بين الجهل المركّب والبسيط مع الظنّ بعدم الزيادة والنقيصة أو الظنّ بهما أو الشكّ.

ويشكل في الأخيرين إذا أقدم على المعاملة بانياً على المسامحة على تقدير الزيادة أو (١) النقيصة فهو كالعالم ، بل الشاكّ في الشي‌ء إذا أقدم عليه بانياً على تحمّله فهو في حكم العالم من حيث استحقاق المدح عليه أو الذمّ ، ومن حيث عدم معذوريّته لو كان ذلك الشي‌ء ممّا يعذر الغافل فيه ، والحاصل : أنّ الشاكّ الملتفت إلى الضرر مُقدِمٌ عليه.

ومن أنّ مقتضى عموم نفي الضرر وإطلاق الإجماع المحكي ثبوته بمجرّد تحقّق الضرر ، خرج المقدِم عليه عن علمٍ ، بل مطلق الشاكّ ليس‌

__________________

(١) في «ش» : «و».