درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۱: اوامر ۷

 

الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة (١) ، خلافا لقاطبة أهل الحقّ والمعتزلة من اتّحادهما(٢).

فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام ، وإن حقّقناه في بعض فوائدنا (٣) إلّا أنّ الحوالة لمّا لم تكن عن المحذور خالية ، والإعادة بلا فائدة ولا إفادة (٤) ، كان المناسب هو التعرّض هاهنا أيضا.

فاعلم أنّ الحقّ كما عليه أهله ـ وفاقا للمعتزلة وخلافا للأشاعرة ـ هو اتّحاد الطلب والإرادة ، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد ، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر (٥) ، والطلب المنشأ بلفظه (٦) أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّة.

وبالجملة : هما متّحدان مفهوما وإنشاء وخارجا ، لا أنّ الطلب الإنشائيّ الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه ـ كما عرفت ـ متّحد مع الإرادة الحقيقيّة الّتي ينصرف إليها إطلاقها أيضا ، ضرورة أنّ المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس.

فإذا عرفت المراد من حديث العينيّة والاتّحاد ، ففي مراجعة الوجدان ـ عند طلب شيء والأمر به حقيقة ـ كفاية ، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان ، فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب

__________________

(١) راجع شرح المواقف ٨ : ٩٣ ، شرح التجريد (للقوشجيّ) : ٢٤٦ ، نقد المحصّل : ١٧٠.

(٢) راجع كشف المراد : ٢٢٣.

(٣) فوائد الاصول (للمصنّف) : ٢٣.

(٤) هكذا في النسخة الأصليّة والنسخة الاخرى الموجودة عندنا. وعليه يكون معنا العبارة : ولمّا لم تكن الإعادة بلا فائدة ولا إفادة.

وفي النسخة المطبوعة بالطبع الحجريّ المزيّنة بحاشية المحقّق المشكينيّ ١ : ٩٥ ، هكذا : «والإعادة ليس بلا فائدة ولا إفادة». وعليه يكون قوله : «الإعادة» معطوفا على نفس كلمة «الحوالة» ، فيكون معناها : إلّا أنّ الإعادة ليست بلا فائدة.

والأولى أن يقول : «الّا أنّه لمّا لم تكن الحوالة خالية عن المحذور ولم تكن الإعادة بلا فائدة ...».

(٥) فهما متّحدان مفهوما ومصداقا.

(٦) أي : بلفظ الطلب ، كأن يقال : أطلب منك كذا.

غيرها (١) سوى ما هو مقدّمة تحقّقها عند خطور الشيء والميل وهيجان الرغبة إليه والتصديق لفائدته (٢) ، وهو (٣) الجزم بدفع ما يوجب توقّفه عن طلبه لأجلها.

وبالجملة : لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب (٤) ، فلا محيص عن اتّحاد الإرادة والطلب ، وأن يكون ذلك الشوق المؤكّد ـ المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة ، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده (٥) لا كذلك ـ مسمّى ب «الطلب والإرادة» ، كما يعبّر به تارة وبها اخرى ، كما لا يخفى (٦).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «تكون هي الطلب» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الصفة ، وكلمة «غيرها» زائدة ، للاستغناء عنها بقوله : «غير الإرادة».

(٢) والأولى أن يقدّم تصديق الفائدة على الميل والهيجان.

(٣) أي : ما هو مقدّمة تحقّق الإرادة.

(٤) هكذا في النسخ. والاولى أن يقول : «تكون هي الطلب».

(٥) وفي النسخة الأصليّة : «أريده». والصحيح ما في المتن.

(٦) وقد خالفه المحقّق النائينيّ وادّعى وجود صفة اخرى بين الإرادة والفعل ، وذهب إلى تغاير الطلب والإرادة وفاقا للأشاعرة.

وحاصل كلامه : أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ هناك وراء الإرادة أمرا آخر يكون هو المستتبع لحركة العضلات ، ويكون ذلك من أفعال النفس ، وإن شئت فسمّه : «حملة النفس» أو «حركة النفس» أو «تصدّي النفس». وذلك لوضوح أنّ الانبعاث لا يكون إلّا بالبعث ، والبعث انّما هو من مقولة الفعل ، وقد عرفت أنّ الإرادة ليست من الأفعال النفسانيّة ، بل هي من الكيفيّات النفسانيّة ، فلو لم يكن هناك فعل نفسانيّ يقتضي الانبعاث يلزم منه أن يكون انبعاثا بلا بعث.

والحاصل : أنّ وراء الإرادة والشوق المؤكّد أمرا آخر ، يسمّى بالطلب. وهو عبارة عن تصدّي النفس نحو المطلوب وحملتها إليه.

فظهر أنّ الحقّ مع القائلين بتغاير الطلب والإرادة وفاقا للأشاعرة. أجود التقريرات ١ : ٨٨ ـ ٩١ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٠ ـ ١٣٣.

ولا يخفى : أنّ ما التزم به المحقّق النائينيّ من ثبوت صفة نفسانيّة اخرى هي التصدّي والاختيار غير ما التزم به الأشاعرة من ثبوت صفة نفسانيّة هي الكلام النفسيّ ، كما يأتي.

وكذا الحال في سائر الصيغ الإنشائيّة والجمل الخبريّة ، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس ـ من الترجّي والتمنّي والعلم إلى غير ذلك ـ صفة اخرى كانت قائمة بالنفس وقد دلّ اللفظ عليها ، كما قيل (١) :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا (٢)

وقد انقدح بما حقّقناه ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة ـ بالأمر مع عدم الإرادة ، كما في صورتي الاختبار والاعتذار ـ من الخلل (٣) ؛ فإنّه كما لا إرادة حقيقة في الصورتين لا طلب كذلك فيهما ، والّذي يكون فيهما إنّما هو الطلب الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي هو مدلول الصيغة أو المادّة ، ولم يكن بيّنا ولا مبيّنا في الاستدلال مغايرته مع الإرادة الإنشائيّة.

__________________

(١) والقائل هو الأخطل الشاعر على ما في شرح المقاصد ٤ : ١٥٠.

(٢) حاصل ما التزم به الأشاعرة هو ثبوت صفة نفسانيّة اخرى في النفس غير الإرادة ومقدّماتها.

ومنشأ التزامهم بثبوت هذه الصفة هو توجيه اتّصاف الواجب تعالى بصفة المتكلّم. فقالوا : لا ريب أنّ الله (عزوجل) يكون متكلّما كما يكون عالما وقادرا. وبما أنّ صفاته (تعالى) عين ذاته وجودا فصفاته (تعالى) قديمة كقدم ذاته ، فيلزم أن يكون كلامه قديما. ومعلوم أنّ الكلام اللفظيّ حادث ، فيمتنع أن يكون المراد من كلامه هو الكلام اللفظيّ ، بل لا بدّ أن يكون هناك صفة اخرى في نفس المولى ـ غير الإرادة ـ يكشف عنها الكلام اللفظيّ ، وهي الكلام النفسيّ ، كما قال الشاعر :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وانّما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فالكلام اللفظيّ كاشف عن وجود صفة نفسانيّة ، سواء كان الكلام اللفظيّ إخباريّا أو إنشائيّا.

ومن هنا يظهر أنّ في مورد الإنشائيّات تكون في النفس صفة غير الإرادة يحكي عنها الكلام اللفظيّ الإنشائيّ ، وهي ما يعبّر عنه ب «الطلب» ، فيثبت أنّ الإرادة غير الطلب.

وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ الالتزام بالكلام النفسيّ وأنّه صفة من صفات النفس غير الإرادة ، ممنوع ، لأنّ البرهان قائم في محلّه على حصر الكيفيّات النفسانيّة ، وليس منها الكلام النفسيّ. نهاية الدراية ١ : ١٨٢.

(٣) بيان ل «ما» الموصولة في قوله : «ما في استدلال الأشاعرة».