درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۲: اوامر ۸

 

وكذا الحال في سائر الصيغ الإنشائيّة والجمل الخبريّة ، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس ـ من الترجّي والتمنّي والعلم إلى غير ذلك ـ صفة اخرى كانت قائمة بالنفس وقد دلّ اللفظ عليها ، كما قيل (١) :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا (٢)

وقد انقدح بما حقّقناه ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة ـ بالأمر مع عدم الإرادة ، كما في صورتي الاختبار والاعتذار ـ من الخلل (٣) ؛ فإنّه كما لا إرادة حقيقة في الصورتين لا طلب كذلك فيهما ، والّذي يكون فيهما إنّما هو الطلب الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي هو مدلول الصيغة أو المادّة ، ولم يكن بيّنا ولا مبيّنا في الاستدلال مغايرته مع الإرادة الإنشائيّة.

__________________

(١) والقائل هو الأخطل الشاعر على ما في شرح المقاصد ٤ : ١٥٠.

(٢) حاصل ما التزم به الأشاعرة هو ثبوت صفة نفسانيّة اخرى في النفس غير الإرادة ومقدّماتها.

ومنشأ التزامهم بثبوت هذه الصفة هو توجيه اتّصاف الواجب تعالى بصفة المتكلّم. فقالوا : لا ريب أنّ الله (عزوجل) يكون متكلّما كما يكون عالما وقادرا. وبما أنّ صفاته (تعالى) عين ذاته وجودا فصفاته (تعالى) قديمة كقدم ذاته ، فيلزم أن يكون كلامه قديما. ومعلوم أنّ الكلام اللفظيّ حادث ، فيمتنع أن يكون المراد من كلامه هو الكلام اللفظيّ ، بل لا بدّ أن يكون هناك صفة اخرى في نفس المولى ـ غير الإرادة ـ يكشف عنها الكلام اللفظيّ ، وهي الكلام النفسيّ ، كما قال الشاعر :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وانّما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فالكلام اللفظيّ كاشف عن وجود صفة نفسانيّة ، سواء كان الكلام اللفظيّ إخباريّا أو إنشائيّا.

ومن هنا يظهر أنّ في مورد الإنشائيّات تكون في النفس صفة غير الإرادة يحكي عنها الكلام اللفظيّ الإنشائيّ ، وهي ما يعبّر عنه ب «الطلب» ، فيثبت أنّ الإرادة غير الطلب.

وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ الالتزام بالكلام النفسيّ وأنّه صفة من صفات النفس غير الإرادة ، ممنوع ، لأنّ البرهان قائم في محلّه على حصر الكيفيّات النفسانيّة ، وليس منها الكلام النفسيّ. نهاية الدراية ١ : ١٨٢.

(٣) بيان ل «ما» الموصولة في قوله : «ما في استدلال الأشاعرة».

وبالجملة : الّذي يتكفّله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما ، وهو (١) ممّا لا محيص عن الالتزام به ـ كما عرفت ـ ، ولكنّه لا يضرّ بدعوى الاتّحاد أصلا ، لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ ، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه يمكن ممّا حقّقناه أن يقع الصلح بين الطرفين ، ولم يكن نزاع في البين ، بأن يكون المراد بحديث الاتّحاد ما عرفت من العينيّة مفهوما ووجودا ، حقيقيّا وإنشائيّا ، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينيّة هو اثنينيّة الإنشائيّ من الطلب ـ كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه ـ والحقيقيّ من الإرادة ـ كما هو المراد (٢) غالبا منها حين إطلاقها ـ ، فيرجع النزاع لفظيّا ، فافهم (٣).

دفع وهم (٤)

لا يخفى : أنّه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة ـ من نفي غير الصفات المشهورة وأنّه ليس صفة اخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيّا مدلولا للكلام اللفظيّ كما يقول به الأشاعرة ـ أنّ هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام (٥).

إن قلت : فما ذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب والمعتزلة؟

__________________

(١) أي : الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب الإنشائيّ.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «والحقيقيّة من الإرادة كما هي المرادة ...».

(٣) لعلّه إشارة إلى أنّ الأشاعرة التزموا بثبوت صفة نفسانيّة اخرى في النفس قبال الإرادة ، وصرّحوا بالمغايرة بين الطلب والإرادة الحقيقيّين ، فكيف يمكن أن يحمل كلامهم على المغايرة بين الطلب الإنشائيّ والإرادة الحقيقيّة؟!

(٤) حاصل الوهم : أنّه لا بدّ للكلام اللفظيّ من مدلول ، وإذا لم يكن مدلوله الكلام النفسيّ ـ كما يدّعيه الأشاعرة ـ فثبت أنّ مدلوله إحدى الصفات المشهورة من العلم والإرادة والترجّي وغيرها.

(٥) والوجه في ذلك أنّ مقصودهم في المقام نفي ما ادّعاه الأشاعرة من ثبوت صفة زائدة على الصفات المشهورة ، وهو يثبت من دون حاجة إلى إثبات مدلول الكلام اللفظيّ.