درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۸۸: اوامر ۱۴

 

إيقاظ : [جريان الكلام في سائر الصيغ الإنشائيّة]

لا يخفى : أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جار في سائر الصيغ الإنشائيّة ، فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمنّي أو الترجّي أو الاستفهام بصيغها تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة يكون الداعي غيرها اخرى (١). فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها واستعمالها في غيرها إذا وقعت في كلامه تعالى ـ لاستحالة (٢) مثل هذه المعاني في حقّه تبارك وتعالى ممّا لازمه العجز أو الجهل ـ ، وأنّه لا وجه له (٣) ، فإنّ المستحيل إنّما هو الحقيقيّ منها ، لا الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي يكون بمجرّد قصد حصوله بالصيغة ـ كما عرفت ـ. ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الإيقاعيّة الإنشائيّة أيضا ، لا لإظهار ثبوتها حقيقة ، بل لأمر آخر ـ حسبما تقتضيه الحال ـ من إظهار المحبّة (٤) أو الإنكار (٥) أو التقرير (٦) ... إلى غير ذلك.

ومنه ظهر أنّ ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضا.

__________________

ـ وذهب المحقّق العراقيّ إلى أنّها موضوعة للنسبة الإرساليّة والمحرّكيّة بين المبدأ والفاعل.

نهاية الأفكار ١ : ١٧٨ ـ ١٧٩.

واختار السيّد الإمام الخمينيّ أنّ الصيغة موضوعة للبعث والإغراء. مناهج الوصول ١ : ٢٤٣ ـ ٢٤٥.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباريّ النفسانيّ في الخارج ـ أي اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف في الخارج ـ. محاضرات في اصول الفقه ٢ : ١٢٢ ـ ١٢٣.

(١) هكذا في النسخ. والأولى تذكير الضمير ، كي يرجع إلى «ثبوت».

(٢) تعليل للالتزام بالانسلاخ.

(٣) تأكيد لقوله : «فلا وجه للالتزام ...».

(٤) كقوله تعالى : ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة / ١٠٠. فاستعمل «لعلّ» في معناه الإيقاعيّ لإظهار محبّة فلاح المؤمنين.

(٥) كقوله تعالى : ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ.﴾ النمل / ٦٠ ـ ٦٤.

(٦) كقوله تعالى : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.﴾ الشرح / ١.

المبحث الثاني

[الصيغة حقيقة في الوجوب]

في أنّ الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب أو فيهما (١) أو في المشترك بينهما (٢) وجوه ، بل أقوال (٣).

__________________

(١) على نحو الاشتراك اللفظيّ.

(٢) على نحو الاشتراك المعنويّ.

(٣) لا يخفى : أنّ استفادة الوجوب من صيغة الأمر ممّا لا إشكال فيه ، وكأنّه من المتّفق عليه بين المصنّف وكثير ممّن تقدّم عليه أو تأخّر عنه. وإنّما الكلام في طريق استفادته من الصيغة.

وفيه وجوه :

الأوّل : ما ذهب إليه صاحبا القوانين والمعالم من أنّ الوجوب يستفاد من صيغة الأمر بالوضع ، لكونها موضوعة للطلب الوجوبيّ ، فتكون الصيغة حقيقة في الوجوب ومجازا في غيره. قوانين الاصول ١ : ٨٣ ، ومعالم الدين : ٤٦.

وهذا مختار المصنّف في المقام. واستدلّ عليه بأنّ المتبادر من الصيغة عند استعمالها بلا قرينة هو الوجوب ، والتبادر علامة الحقيقة. ثمّ أيّده بقيام السيرة العقلائيّة على ذمّ الموالى عبيدهم عند مخالفتهم لامتثال أوامرهم.

ولكن يرد عليه ما يأتي في التعليقات الآتية.

الثاني : ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ من أنّ الوجوب يستفاد من إطلاق الصيغة بمقدّمات الحكمة ، لا من نفس الصيغة بالوضع.

بيان ذلك : أنّ الإرادة المتعلّقة بفعل الغير تختلف شدّة وضعفا حسب اختلاف المصالح الداعية إلى ذلك ؛ فالإرادة قد تكون شديدة بحيث لم يرتض المولى إلّا بتحقّق المراد ، وقد تكون ضعيفة بحيث لا يمنع المولى عبده من التخلّف ، بل له أن يفعل وأن لا يفعل. والاولى تسمّى : «الإرادة الوجوبيّة» ، والثانية تسمّى : «الإرادة الاستحبابيّة».

ولا شكّ أنّ الإرادة الوجوبيّة هي الإرادة التامّة الّتي لا ضعف فيها ولا نقصان ، بخلاف الإرادة الاستحبابيّة ، فإنّها محدودة بحدّ النقص والضعف. ومعلوم أنّ صفة الشدّة في الإرادة ليست أمرا زائدا على الإرادة ، بل شدّة الإرادة إرادة بحيث كان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز ؛ بخلاف صفة النقص فيها ، فإنّها حدّ عدميّ زائد على الإرادة ويحتاج بيانها إلى مئونة زائدة.

فإذا أمر المولى بشىء وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الوجوب أو الندب أو الجامع فيحمل الأمر على الإرادة الشديدة الّتي لا يحتاج بيانها إلى مئونة زائدة ، وهي ـ

لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة (١).

ويؤيّده عدم صحّة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب مع الاعتراف بعدم دلالته (٢) عليه بحال أو مقال (٣).

وكثرة الاستعمال فيه (٤) في الكتاب والسنّة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه ، لكثرة استعماله في الوجوب أيضا ؛ مع أنّ الاستعمال وإن كثر فيه إلّا أنّه كان مع القرينة المصحوبة ، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازيّ لا يوجب صيرورته مشهورا فيه ليرجّح أو يتوقّف (٥) ـ على الخلاف في المجاز المشهور ـ. كيف! وقد كثر استعمال العامّ في الخاصّ حتّى قيل : «ما من عامّ إلّا

__________________

ـ الوجوب. بدائع الأفكار (المحقّق العراقيّ) ١ : ١٩٧.

ولكن أورد عليه المحقّق النائينيّ والسيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ من جهات. فراجع أجود التقريرات ١ : ٩٥ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٥ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ، المحاضرات ٢ : ١٢٧ ـ ١٣٠.

الثالث : ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ وتبعه السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ. وهو أنّ الوجوب لا يستفاد من صيغة الأمر ، لا بالوضع ولا بالإطلاق ، بل يستفاد من حكم العقل بالوجوب بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة ما لم يرخّص نفس المولى بالترك ، فالعقل يحكم بأنّ وظيفة العبوديّة والمولويّة تقتضي لزوم المبادرة على العبد نحو امتثال ما أمره به المولى. راجع أجود التقريرات ١ : ٩٥ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٦ ، المحاضرات ٢ : ١٣٠ ـ ١٣١.

(١) ويرد عليه : أنّ التبادر ليس علامة للحقيقة ، كما مرّ. ولو سلّم فهو يكون علامة للحقيقة إذا كان مستندا إلى حاقّ اللفظ ، وفيما نحن فيه لا نعلم استناده إلى حاقّ اللفظ ، بل يحتمل استناده إلى الإطلاق أو حكم العقل.

ولعلّه قال المصنّف : «لا يبعد تبادر الوجوب» ، ولم يقل : «لتبادر الوجوب».

(٢) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح «بعدم دلالتها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الصيغة.

(٣) ويرد عليه : أنّه لا يدلّ على كون الوجوب مدلولا وضعيّا للصيغة ، بل لعلّه لحكم العقل بذلك أو للإطلاق. ولعلّه قال : «ويؤيّده» ، ولم يقل : «ويدلّ عليه».

(٤) أي : في الندب.

(٥) أي : ليرجّح المعنى المجازيّ أو يتوقّف حتّى ينهض دليل على المراد.