درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۵۱: مقدمات ۵۱

 

بيّنّاه في الفوائد (١) بما لا مزيد عليه ـ إلّا أنّك عرفت فيما تقدّم (٢) عدم الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى ما لم يلحظ فيه (٣) الاستقلال بالمفهوميّة ولا عدم الاستقلال بها. وإنّما الفرق هو أنّه (٤) وضع ليستعمل واريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير ، ووضع غيره (٥) ليستعمل واريد منه معناه بما هو هو. وعليه يكون كلّ من الاستقلال بالمفهوميّة وعدم الاستقلال بها إنّما اعتبر في جانب الاستعمال ، لا في المستعمل فيه ، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى ؛ فلفظ «الابتداء» لو استعمل في المعنى الآليّ ولفظة «من» في المعنى الاستقلاليّ لما كان مجازا واستعمالا له في غير ما وضع له ، وإن كان بغير ما وضع له (٦).

فالمعنى في كليهما في نفسه كليّ طبيعيّ يصدق على كثيرين ؛ ومقيّدا باللحاظ الاستقلاليّ أو الآليّ كليّ عقليّ (٧) ، وإن كان بملاحظة أنّ لحاظه وجوده ذهنا كان جزئيّا ذهنيّا (٨) ، فإنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد وإن كان بالوجود الذهنيّ ، فافهم وتأمّل فيما وقع في المقام من الأعلام من الخلط والاشتباه وتوهّم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصّا ، بخلاف ما عداها ، فإنّه عامّ.

وليت شعري إن كان قصد الآليّة فيها موجبا لكون المعنى جزئيّا فلم لا يكون قصد الاستقلاليّة فيه (٩) موجبا له؟! وهل يكون ذلك إلّا لكون هذا القصد ليس ممّا يعتبر في الموضوع له ولا المستعمل فيه ، بل في الاستعمال؟ فلم لا يكون فيها كذلك؟! كيف؟ وإلّا لزم أن يكون معاني المتعلّقات غير منطبقة على الجزئيّات

__________________

(١) فوائد الاصول (للمصنّف) : ٦٦.

(٢) في الأمر الثاني من المقدّمة : ٢٨.

(٣) أي : في المعني.

(٤) أي : الحرف.

(٥) أي : الاسم.

(٦) أي : وإن كان بغير النحو الّذي وضع له اللفظ.

(٧) وفي النسخة الأصليّة : «أو الآليّ الكلّيّ كلّيّ عقليّ».

(٨) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «جزئيّا ذهنيّا» ، فإنّ لفظة «كان» مستدركة ، حيث إنّ قوله : «جزئيّا ذهنيّا» خبر كان في قوله : «وإن كان» ، فكان الأولى أن يقول : «وإن كان جزئيّا ذهنيّا بملاحظة أنّ لحاظه وجوده ذهنا».

(٩) أي : في الاسم.

الخارجيّة ، لكونها ـ على هذا ـ كلّيّات عقليّة ، والكلّيّ العقليّ لا موطن له إلّا الذهن ؛ فالسير والبصرة والكوفة في : «سرت من البصرة إلى الكوفة» لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة ، لتقيّدها بما اعتبر فيه القصد (١) ، فتصير عقليّة ، فيستحيل انطباقها على الامور الخارجيّة.

وبما حقّقناه يوفّق بين جزئيّة المعنى الحرفيّ بل الاسميّ والصدق على الكثيرين ، وأنّ الجزئيّة باعتبار تقيّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آليّا أو استقلاليّا ، وكلّيّته بلحاظ نفس المعنى.

ومنه ظهر عدم اختصاص الإشكال والدفع بالحرف ، بل يعمّ غيره. فتأمّل في المقام ، فإنّه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام ، وقد سبق في بعض الامور (٢) بعض الكلام ، والإعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإفادة (٣) ، فافهم.

رابعها : [اختلاف المبادئ لا يوجب اختلافا في دلالة المشتقّ]

أنّ اختلاف المشتقّات في المبادئ ـ وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة (٤) ، وفي بعضها قوة وملكة (٥) ، وفي بعضها فعليّا (٦) ـ لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة أصلا ، ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها ، كما لا يخفى (٧). غاية الأمر أنّه يختلف التلبّس به في المضيّ أو الحال ، فيكون التلبّس به فعلا لو اخذ حرفة أو ملكة ولو لم يتلبّس به إلى الحال أو انقضى عنه ، ويكون ممّا مضى أو يأتي

__________________

(١) أي : لتقيّد السير والبصرة والكوفة بالمعنى الحرفيّ الّذي اعتبر فيه قصد الآليّة.

(٢) في الأمر الثاني من المقدّمة : ٢٨.

(٣) ومن الفوائد المترتّبة على الإعادة ثبوت عدم المنافاة بين كون الشيء كلّيّا عقليّا وكونه جزئيّا ذهنيّا أو كونه كلّيّا طبيعيّا وكونه جزئيّا ذهنيّا.

(٤) كالخياطة في الخيّاط.

(٥) كالاجتهاد في المجتهد.

(٦) كالضرب في الضارب.

(٧) بخلاف الفاضل التونيّ ـ على ما في بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ١٧٨ ، وحاشية قوانين الاصول ١ : ٧٨ ـ ، فإنّه توهّم أنّ النزاع لا يجري في المشتقّات الّتي مبدؤها حرفة ـ كالنجّار والخيّاط ـ والمشتقّات الّتي مبدؤها ملكة ـ كالاجتهاد ـ ، بل المتّفق عليه أنّ المشتقّ في هذه الموارد موضوع للأعمّ.