درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۵۲: مقدمات ۵۲

 

الخارجيّة ، لكونها ـ على هذا ـ كلّيّات عقليّة ، والكلّيّ العقليّ لا موطن له إلّا الذهن ؛ فالسير والبصرة والكوفة في : «سرت من البصرة إلى الكوفة» لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة ، لتقيّدها بما اعتبر فيه القصد (١) ، فتصير عقليّة ، فيستحيل انطباقها على الامور الخارجيّة.

وبما حقّقناه يوفّق بين جزئيّة المعنى الحرفيّ بل الاسميّ والصدق على الكثيرين ، وأنّ الجزئيّة باعتبار تقيّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آليّا أو استقلاليّا ، وكلّيّته بلحاظ نفس المعنى.

ومنه ظهر عدم اختصاص الإشكال والدفع بالحرف ، بل يعمّ غيره. فتأمّل في المقام ، فإنّه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام ، وقد سبق في بعض الامور (٢) بعض الكلام ، والإعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإفادة (٣) ، فافهم.

رابعها : [اختلاف المبادئ لا يوجب اختلافا في دلالة المشتقّ]

أنّ اختلاف المشتقّات في المبادئ ـ وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة (٤) ، وفي بعضها قوة وملكة (٥) ، وفي بعضها فعليّا (٦) ـ لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة أصلا ، ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها ، كما لا يخفى (٧). غاية الأمر أنّه يختلف التلبّس به في المضيّ أو الحال ، فيكون التلبّس به فعلا لو اخذ حرفة أو ملكة ولو لم يتلبّس به إلى الحال أو انقضى عنه ، ويكون ممّا مضى أو يأتي

__________________

(١) أي : لتقيّد السير والبصرة والكوفة بالمعنى الحرفيّ الّذي اعتبر فيه قصد الآليّة.

(٢) في الأمر الثاني من المقدّمة : ٢٨.

(٣) ومن الفوائد المترتّبة على الإعادة ثبوت عدم المنافاة بين كون الشيء كلّيّا عقليّا وكونه جزئيّا ذهنيّا أو كونه كلّيّا طبيعيّا وكونه جزئيّا ذهنيّا.

(٤) كالخياطة في الخيّاط.

(٥) كالاجتهاد في المجتهد.

(٦) كالضرب في الضارب.

(٧) بخلاف الفاضل التونيّ ـ على ما في بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ١٧٨ ، وحاشية قوانين الاصول ١ : ٧٨ ـ ، فإنّه توهّم أنّ النزاع لا يجري في المشتقّات الّتي مبدؤها حرفة ـ كالنجّار والخيّاط ـ والمشتقّات الّتي مبدؤها ملكة ـ كالاجتهاد ـ ، بل المتّفق عليه أنّ المشتقّ في هذه الموارد موضوع للأعمّ.

لو اخذ فعليّا ، فلا يتفاوت فيها (١) أنحاء التلبّسات وأنواع التعلّقات ، كما أشرنا إليه.

خامسها : [المراد من كلمة «الحال» في العنوان]

انّ المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال التلبّس (٢) لا حال النطق (٣) ، ضرورة أنّ مثل : «كان زيد ضاربا أمس» ، أو «سيكون غدا ضاربا» حقيقة إذا كان متلبّسا بالضرب في الأمس في المثال الأوّل ، ومتلبّسا به في الغد في الثاني ، فجري المشتقّ حيث كان بلحاظ حال التلبّس ـ وإن مضى زمانه في أحدهما ، ولم يأت بعد في آخر ـ كان حقيقة بلا خلاف.

ولا ينافيه الاتّفاق على أنّ مثل «زيد ضارب غدا» مجاز ، فإنّ الظاهر أنّه فيما إذا كان الجري في الحال (٤) ـ كما هو قضيّة الإطلاق ـ ، والغد إنّما يكون لبيان زمان التلبّس ، فيكون الجري والاتّصاف في الحال والتلبّس في الاستقبال (٥).

ومن هنا ظهر الحال في مثل : «زيد ضارب أمس» وأنّه داخل في محلّ الخلاف والإشكال. ولو كانت لفظة «أمس» أو «غد» قرينة على تعيين زمان النسبة والجري أيضا (٦) كان المثالان حقيقة.

وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في كون المشتقّ حقيقة فيما إذا جرى على الذات بلحاظ حال التلبّس ، ولو كان في المضيّ أو الاستقبال ؛ وإنّما الخلاف في كونه حقيقة في خصوصه (٧) أو فيما يعمّ ما إذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى عنه التلبّس ، بعد الفراغ عن كونه مجازا فيما إذا جرى عليها فعلا بلحاظ التلبّس في الاستقبال.

__________________

(١) أي : في دلالة الهيئة.

(٢) ليس المقصود من حال التلبّس زمان التلبّس كما استظهره المحقّق النائينيّ من كلام المصنّف ، بل المقصود هو فعليّة التّلبس واتّحاد الإسناد والتلبّس.

(٣) فلا يعتبر في صدق المشتقّ حقيقة تلبّس الذات بالمبدإ حال النطق ، كما لا يعتبر فيه تلبّسها بالمبدإ حال الجري وإطلاق المشتقّ على الذات.

(٤) أي : حال النطق.

(٥) فالمجازيّة في المثال المزبور انّما هو لأجل انفكاك الجري عن فعليّة التلبّس.

(٦) بحيث يتّحد زمان الجري مع زمان التلبّس.

(٧) أي : في خصوص حال التلبّس.