درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۵۳: اوامر ۷۹

 

الثواب على المقدّمات (١) ، أو على التفضّل (٢) ، فتأمّل جيّدا.

وذلك لبداهة أنّ موافقة الأمر الغيريّ بما هو أمر ـ لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسيّ ـ لا توجب قربا ، ولا مخالفته بما هو كذلك بعدا ، والمثوبة والعقوبة إنّما تكونان من تبعات القرب والبعد.

إشكال ودفع

أمّا الأوّل : فهو أنّه إذا كان الأمر الغيريّ ـ بما هو ـ لا إطاعة له ولا قرب في موافقته ولا مثوبة على امتثاله ، فكيف حال بعض المقدّمات ، كالطهارات ، حيث لا شبهة في حصول الإطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمرها؟ هذا مضافا إلى أنّ الأمر الغيريّ لا شبهة في كونه توصّليّا ، وقد اعتبر في صحّتها إتيانها بقصد القربة (٣).

وأمّا الثاني : فالتحقيق أن يقال : إنّ المقدّمة فيها بنفسها مستحبّة وعبادة ،

__________________

(١) كما روي أنّ في كلّ خطوة في زيارة أمير المؤمنين عليه‌السلام ثواب الحجّ والعمرة. الوسائل ١٠ : ٢٩٦ ، الباب ٢٤ من أبواب المزار ، الحديث ١.

(٢) أي : أو يحمل على التفضّل ، لا الاستحقاق.

(٣) لا يخفى : أنّ البحث عن عباديّة الطهارات الثلاث وترتّب الثواب عليها من المباحث المهمّة الّتي تترتّب عليها آثار علميّة وعمليّة. ولذا تعرّض له الأعلام جميعا واهتمّوا في دفع الاشكالات الواردة على عباديّتها. وعمدة الإشكالات أربعة :

الأوّل : أنّه لا شبهة في حصول التقرّب بالإتيان بالطهارات الثلاث لأجل الصلاة ، والمفروض أنّ موافقة الأمر الغيريّ لا تستلزم القرب ، فكيف يحصل بها التقرّب؟

الثاني : لا شبهة في ترتّب الثواب على الإتيان بالطهارات الثلاث لأجل الصلاة ، والمفروض أنّ موافقة الأمر الغيريّ لا تستوجب ثوابا ، فكيف يترتّب على الإتيان بها الثواب؟

الثالث : أنّ الأمر الغيريّ أمر توصّلي يسقط بمجرّد الإتيان بمتعلّقه ، مع أنّه في الطهارات الثالث لا بدّ من الإتيان بها بنحو العبادة ، فما هو الأمر العباديّ المصحّح لعباديّتها؟

هذه الإشكالات الثلاثة ذكرها المصنّف في المقام.

الرابع : ما ذكره الشيخ الأنصاريّ ـ في كتاب الطهارة ٢ : ٥٤ ـ ، وهو لزوم الدور. وتقريبه : أنّ الأمر الغيريّ انّما يتعلّق بالوضوء وأخويه بما أنّها مقدّمة ، ومقدّميّتها تتوقّف على الإتيان بها على وجه العبادة ، والإتيان بها على وجه العبادة يتوقّف على الأمر بها ، فيكون الأمر الغيريّ متوقّفا على مقدّميّتها ، ومقدّميّتها متوقّفة على الأمر الغيريّ بها ، وهذا دور.

وغاياتها (١) إنّما تكون متوقّفة على إحدى هذه العبادات ، فلا بدّ أن يؤتى بها عبادة ، وإلّا فلم يؤت بما هو مقدّمة لها. فقصد القربة فيها إنّما هو لأجل كونها في نفسها امورا عباديّة ومستحبات نفسيّة ، لا لكونها مطلوبات غيريّة (٢).

والاكتفاء بقصد أمرها الغيريّ فإنّما هو لأجل أنّه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه ، حيث إنّه لا يدعو إلّا إلى ما هو المقدّمة (٣) ، فافهم (٤).

__________________

(١) أي : غايات الطهارات الثلاث كالصلاة والحجّ والطواف وغيرها.

(٢) والحاصل : أنّ منشأ عباديّة الطهارات الثلاث انّما هو الأمر النفسيّ الاستحبابيّ المتعلّق بها بما هي عبادة في نفسها.

وبذلك تندفع الإشكالات الأربعة :

أمّا الأوّل والثاني : فلأنّ التقرّب واستحقاق الثواب ليس من جهة موافقة الأمر الغيريّ كي يقال : إنّ موافقته لا تستلزم القرب والثواب. بل من جهة موافقة الأمر الاستحبابيّ المتعلّق بنفسها.

وأمّا الثالث : فلأنّ الأمر الغيريّ هاهنا متعلّق بما هو عبادة في نفسه ، فلا يتحقّق الإتيان بمتعلّقه إلّا بالإتيان به بنحو العباديّة.

وأمّا الرابع : فلأنّ الأمر الغيريّ وإن توقّف على عباديّة الفعل ، إلّا أنّ عباديّة الفعل لا تتوقّف على الأمر الغيريّ ، بل عباديّته ناشئة من الأمر النفسيّ الاستحبابيّ ، فلا دور.

والمحقّق النائينيّ أورد على ما أفاد المصنّف في جواب الإشكال من وجوه. تعرّض لها السيّد المحقّق الخوئيّ وأجاب عنها. فراجع أجود التقريرات ١ : ١٧٥ ـ ١٧٦.

(٣) قوله : «والاكتفاء بقصد أمرها الغيريّ» إشارة إلى ثالث الوجوه من الإيرادات الّتي أوردها المحقّق النائينيّ على المصنّف. وأوّل من تعرّض له هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٧٠ ، وحاصله : أنّه لو كانت الطهارات متعلّقة للأوامر النفسيّة فلا بدّ في الإتيان بها عبادة من قصد أمرها النفسيّ ولو في ضمن الطلب الوجوبيّ الغيريّ. وهذا خلاف طريقة الفقهاء ، فإنّهم بنوا على الاكتفاء بإتيانها بقصد أمرها الغيريّ من دون اعتبار الالتفات إلى أمرها النفسيّ. وهذا يكشف عن أنّ عباديّتها بالأمر الغيريّ ، فيعود المحذور.

وأجاب عنه المصنّف بقوله : «فانّما هو لأجل ...». وحاصله : أنّه لمّا كان الأمر الغيريّ لا يدعو إلّا إلى ما هو المقدّمة ، والمفروض أنّ المقدّمة في المقام هي الطهارات الثلاث المأمور بها بالأمر النفسيّ ، فالأمر الغيريّ تعلّق بالفعل العباديّ ، وقصده يوجب قصد الأمر النفسيّ ضمنا ، وهو المصحّح لعباديّتها.

(٤) لعلّه إشارة إلى أنّ الأمر النفسيّ الاستحبابيّ إمّا أن يكون ملتفتا إليه حين العمل ـ ولو ـ