درس کفایة الاصول - اوامر

جلسه ۱۸۴: اوامر ۱۱۰

 

فيه ولا شبهة تعتريه ، إلّا أنّه لا يقتضي إلّا امتناع الاجتماع وعدم وجود أحدهما إلّا مع عدم الآخر الّذي هو بديل وجوده المعاند له ، فيكون في مرتبته ، لا مقدّما عليه ولو طبعا. وعدم المانع الّذي يكون موقوفا على عدم الوجود (١) هو ما كان ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره ، لا ما يعاند الشيء ويزاحمه في وجوده.

نعم ، العلّة التامّة لأحد الضدّين ربما يكون مانعا عن الآخر ومزاحما (٢) لمقتضيه في تأثيره ، مثلا : تكون شدّة الشفقة على الولد الغريق وكثرة المحبّة له تمنع عن أن يؤثّر ما في الأخ الغريق من المحبّة والشفقة لإرادة إنقاذه مع المزاحمة ، فينقذ به الولد دونه ، فتأمّل جيّدا(٣).

وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا فرق بين الضدّ الموجود والمعدوم في أنّ عدمه الملائم للشيء المناقض لوجوده المعاند لذاك لا بدّ أن يجامع معه من غير مقتض لسبقه ، بل قد عرفت ما يقتضي عدم سبقه.

فانقدح بذلك ما في تفصيل بعض الأعلام (٤) حيث قال بالتوقّف على رفع الضدّ الموجود ، وعدم التوقّف على عدم الضدّ المعدوم. فتأمّل في أطراف ما

__________________

(١) هكذا في النسخ : والصحيح أن يقول : «وعدم المانع الّذي يكون موقوفا عليه الوجود».

وفي هامش النسخة الأصليّة : «والمانع الّذي يكون موقوفا على عدمه الوجود». وهو أيضا صحيح ، لكن ما أثبتناه أولى.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «تكون مانعة عن الآخر ومزاحمة».

(٣) وحاصل ما أفاده المصنّف في المقام هو إنكار مقدّميّة عدم الضدّ للضدّ الآخر.

والمحقّق الاصفهانيّ لم يرتض بإنكار المقدّميّة وحاول تصحيحها بوجه آخر ، حاصله : أنّ عدم الضدّ متقدّم بالطبع على الضدّ الآخر ، ومنشأ هذا التقدّم هو كون عدم الضدّ متمّما لقابليّة المحلّ لعروض الضدّ الآخر عليه ، إذ بدونه لا يكون المحلّ قابلا ، فلا يكون المحلّ قابلا لوجود الإزالة ـ مثلا ـ إلّا في صورة عدم الصلاة. نهاية الدراية ١ : ٤٢٨ ـ ٤٣٥.

ولكن أورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بأنّ العدم لا يمكن أن يكون مؤثّرا في تصحيح القابليّة ، فإنّ العدم محض البطلان ، وقابليّة المحلّ شأن من شئونه الوجوديّة ، فكيف يؤثّر ما هو محض البطلان في شأن من الشئون الوجوديّة للمحلّ؟! مناهج الوصول ٢ : ١٤ ـ ١٥.

(٤) وهو المحقّق الخوانساريّ كما مرّ.

ذكرناه ، فإنّه دقيق وبذلك حقيق.

فقد ظهر عدم حرمة الضدّ من جهة المقدّميّة.

وأمّا من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود في الحكم (١) ، فغايته أن لا يكون أحدهما فعلا محكوما بغير ما حكم به الآخر ، لا أن يكون محكوما بحكمه (٢).

وعدم خلوّ الواقعة عن الحكم فهو إنّما يكون بحسب الحكم الواقعيّ لا الفعليّ.

فلا حرمة للضدّ من هذه الجهة أيضا ، بل على ما هو عليه ـ لو لا الابتلاء بالمضادّة للواجب الفعليّ ـ من الحكم الواقعيّ (٣).

الأمر الثالث : [الضدّ العامّ ، والأقوال فيه]

أنّه قيل (٤) بدلالة الأمر بالشيء بالتضمّن على النهي عن الضدّ العامّ ـ بمعنى الترك ـ ، حيث إنّه يدلّ على الوجوب المركّب من طلب الفعل والمنع عن الترك.

والتحقيق : أنّه لا يكون الوجوب إلّا طلبا بسيطا ومرتبة وحيدة أكيدة من الطلب ،

__________________

(١) هذا هو المسلك الثاني في إثبات أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ الخاصّ.

ويسمّى : «مسلك التلازم».

وحاصله : أنّ وجود الضدّ ملازم لترك الضدّ الآخر ، والمتلازمان لا يمكن اختلافهما في الحكم بأن يكون أحدهما واجبا والآخر محرّما ، فإذا كان أحد الضدّين واجبا فلا محالة يكون ترك الآخر واجبا. مثلا : وجود الإزالة ملازم لعدم الصلاة ، والمتلازمان في الوجود متلازمان في الحكم ، فعدم الصلاة الملازم للإزالة الواجبة واجب ، ووجوب عدم الصلاة يقتضي النهي التحريميّ عن وجودها ، فالأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه.

(٢) وبتعبير أوضح : أنّ عدم جواز اختلاف المتلازمين في الحكم لا يستلزم توافقهما في الحكم ، بل هناك شقّ ثالث ، وهو خلوّ أحدهما من الحكم ، فإذا كان أحدهما خاليا والآخر واجبا لم يختلف المتلازمان في الحكم.

(٣) لا يخفى عليك : أنّه لو لا ابتلاء الضدّ بالمضادّة للواجب الفعليّ كان الضدّ محكوما بالحكم الواقعيّ الفعليّ ، لعدم المانع من فعليّته ، ومع ابتلائها بها محكومة بالوجوب الواقعيّ الإنشائيّ. فالأولى أن يقول : «بل على ما هو عليه ـ لو لا الابتلاء بالمضادّة للواجب الفعليّ ـ من الحكم الفعليّ» أو يقول : «بل محكوم بالحكم الإنشائيّ الّذي لو لا الابتلاء بالمضادّة لكان محكوما به فعلا».

(٤) والقائل صاحب المعالم في معالم الدين : ٦٤.

لا مركّبا من طلبين. نعم ، في مقام تحديد تلك المرتبة وتعيينها ربما يقال : «الوجوب يكون عبارة من طلب الفعل مع المنع عن الترك» ، ويتخيّل منه أنّه يذكر له حدّا. فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب ومقوّماته ، بل من خواصّه ولوازمه ، بمعنى أنّه لو التفت الآمر إلى الترك لما كان راضيا به لا محالة ، وكان (١) يبغضه البتّة.

ومن هنا انقدح أنّه لا وجه لدعوى العينيّة (٢) ، ضرورة أنّ اللزوم يقتضي الاثنينيّة ، لا الاتّحاد والعينيّة. نعم ، لا بأس بها بأن يكون المراد بها أنّه يكون هناك طلب واحد ، وهو كما يكون حقيقة منسوبا إلى الوجود وبعثا إليه ، كذلك يصحّ أن ينسب إلى الترك بالعرض والمجاز ، ويكون زجرا وردعا عنه ، فافهم.

الأمر الرابع : [ثمرة المسألة]

تظهر الثمرة في أنّ نتيجة المسألة ـ وهي النهي عن الضدّ بناء على الاقتضاء ـ بضميمة أنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد ، ينتج فساده إذا كان عبادة (٣).

__________________

(١) معطوف على النفي ، أي : لو التفت الآمر إلى الترك لكان يبغضه. والأولى أن يقول : «بل كان».

(٢) والمدّعي صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٩٢. ومراده من العينيّة أنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العامّ ، فيدلّ الأمر عليه حينئذ بالدلالة المطابقة.

(٣) وحاصل الثمرة ـ بعد تسليم أنّ النهي في العبادة يقتضي الفساد ـ هو فساد الضدّ إذا كان عبادة بناء على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه ، وصحّة الضدّ إذا كان عبادة بناء على عدم الاقتضاء. وهذه الثمرة أنكرها المحقّقان : النائينيّ والاصفهانيّ ، بدعوى صحّة الضدّ العباديّ حتّى على القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.

أمّا المحقّق النائينيّ فأنكرها من جهة أنّ النهي الغيريّ عن العبادة لا يقتضي فسادها ، لأنّه لا يكشف عن وجود مفسدة في المنهيّ عنه ، وحينئذ فيكون المنهيّ عنه باقيا على ما هو عليه من المصلحة والمحبوبيّة الذاتيّة ، فيمكن التقرّب به إذا كان عبادة. أجود التقريرات ١ : ٢٦٥.

وتبعه في ذلك السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ ، فراجع مناهج الوصول ٢ : ٢٠ ، المحاضرات ٣ : ٨٧ ـ ٨٨ و ٥ : ٦ ـ ٧.

وأمّا المحقّق الاصفهانيّ فأنكرها من جهة أنّ الضدّ العباديّ وإن كان مبغوضا بالعرض ـ لمحبوبيّة تركه المقدّميّ ـ بل كان ملازما لمبغوض عرضيّ ـ وهو ترك الأهمّ ـ ، إلّا أنّه لا يمنع عن التقرّب به ، فالنهي عنه لا يقتضي فساده. نهاية الدراية ١ : ٤٤٦.