درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳۵: خیار حیوان ۸

 

مسقطاً لدلالته على الرضا باللزوم (١).

وقال في موضعٍ آخر : ولا يعدّ ركوب الدابّة للاستخبار أو لدفع جموحها أو للخوف من ظالمٍ أو ليردّها تصرّفاً. ثمّ قال : وهل يعدّ حملها للاستخبار تصرّفاً؟ ليس ببعيدٍ أن لا يعدّ. وكذا لو أراد ردّها وحلبها لأخذ اللبن ، على إشكالٍ ينشأ من أنّه ملكه ، فله استخلاصه (٢) ، انتهى.

وحكي عنه في موضعٍ آخر أنّه قال : والمراد بالتصرّف المسقط ما كان المقصود منه التملّك ، لا الاختبار ولا حفظ المبيع كركوب الدابّة للسقي (٣) ، انتهى.

ومراده من التملّك : البقاء عليه والالتزام به ، ويحتمل أن يراد به الاستعمال للانتفاع بالملك ، لا للاختبار أو الحفظ.

ظهور كلمات الفقهاء في المعنى الثالث

هذا ما حضرني من كلماتهم في هذا المقام ، الظاهرة في المعنى الثالث ، وحاصله : التصرّف على وجهٍ يدلّ عرفاً لو خُلّي وطبعه على الالتزام بالعقد ، ليكون إسقاطاً فعليّاً للخيار ، فيخرج منه ما دلّت القرينة على وقوعه لا عن الالتزام.

لكن يبقى الإشكال المتقدّم سابقاً (٤) : من أنّ أكثر أمثلة‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٥.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٤.

(٣) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠ ، وانظر جامع المقاصد ٤ : ٢٩١ و ٣٠٤.

(٤) راجع الصفحة ٩٩.

التصرّف المذكورة في النصوص والفتاوى ليست كذلك ، بل هي واقعةٌ غالباً مع الغفلة أو التردّد أو العزم على الفسخ مطلقاً ، أو إذا اطّلع على ما يوجب زهده فيه ، فهي غير دالّةٍ في نفسها عرفاً على الرضا.

ومنه يظهر وجه النظر في دفع الاستبعاد الذي ذكرناه سابقاً (١) من عدم انفكاك اشتراء الحيوان من التصرّف فيه في الثلاثة فيكون مورد الخيار في غاية الندرة بأنّ الغالب في التصرّفات وقوعها مع عدم الرضا باللزوم ، فلا يسقط بها الخيار (٢) ، إذ فيه : أنّ هذا يوجب استهجان تعليل السقوط بمطلق الحدث بأنّه رضاً ؛ لأنّ المصحِّح لهذا التعليل مع العلم بعدم كون بعض أفراده رضاً هو ظهوره فيه عرفاً من أجل الغلبة ، فإذا فرض أنّ الغالب في مثل هذه التصرّفات وقوعها لا عن التزامٍ للعقد بل مع العزم على الفسخ أو التردّد فيه أو الغفلة ، كان تعليل الحكم على المطلق بهذه العلّة الغير الموجودة إلاّ في قليلٍ من أفراده مستهجناً.

وأمّا الاستشهاد لذلك بما سيجي‌ء : من أنّ تصرّف البائع في ثمن بيع الخيار غير مسقطٍ لخياره اتّفاقاً ، وليس ذلك إلاّ من جهة صدوره لا عن التزامٍ بالعقد ، بل مع العزم على الفسخ بردّ مثل الثمن ، ففيه : ما سيجي‌ء.

وممّا ذكرنا من استهجان التعليل على تقدير كون غالب التصرّفات‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٩.

(٢) راجع الرياض ٨ : ٢٠٢ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠.

واقعةً لا عن التزامٍ يظهر فساد الجمع بهذا الوجه ، يعني حمل الأخبار المتقدّمة (١) على صورة دلالة التصرّفات المذكورة على الرضا بلزوم العقد ، جمعاً بينها وبين ما دلّ من الأخبار على عدم سقوطه بمجرّد التصرّف ، مثل رواية عبد الله بن الحسن المتقدّمة (٢) التي لم يستفصل في جوابها بين تصرّف المشتري في العبد المتوفّى في زمان الخيار وعدمه ، وإنّما أُنيط سقوط الخيار فيها بالرضا الفعلي ، ومثل الخبر المصحّح : في رجلٍ اشترى شاةً فأمسكها ثلاثة أيّامٍ ثمّ ردّها؟ قال : «إن كان تلك الثلاثة أيّام شرب لبنها يردّ معها ثلاثة أمداد ، وإن لم يكن لها لبنٌ فليس عليه شي‌ءٌ» (٣). ونحوه الآخر (٤).

وما فيهما من «ردّ ثلاثة أمداد» لعلّه محمولٌ على الاستحباب ؛ مع أنّ ترك العمل به لا يوجب ردّ الرواية ، فتأمّل.

وقد أفتى بذلك في المبسوط فيما لو باع شاةً غير مصرّاةٍ وحلبها أيّاماً ثمّ وجد المشتري بها عيباً. ثمّ قال : وقيل : ليس له ردّها ، لأنّه تصرّفٌ بالحلب (٥).

وبالجملة ، فالجمع بين النصّ والفتوى الظاهرين في كون التصرّف‌

__________________

(١) المتقدّمة في الصفحة ٩٧ ٩٨.

(٢) المتقدّمة في الصفحة ١٠٠.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٦٠ ، الباب ١٣ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٤) التهذيب ٧ : ٢٥ ، الحديث ١٠٧ ، وعنه في الوسائل ١٢ : ٣٦٠ ، الباب ١٣ من أبواب الخيار ، ذيل الحديث الأوّل.

(٥) المبسوط ٢ : ١٢٥ ١٢٦.

مسقطاً لدلالته على الرضا بلزوم العقد ، وبين ما تقدّم من التصرّفات المذكورة في كثيرٍ من الفتاوى خصوصاً ما ذكره غير واحدٍ (١) من الجزم بسقوط الخيار بالركوب في طريق الردّ ، أو التردّد فيه وفي التصرّف للاستخبار مع العلم بعدم اقترانهما بالرضا بلزوم العقد في غاية الإشكال ، والله العالم بحقيقة الحال.

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٤٥١ ، وقال السيّد المجاهد في المناهل : ٣٤٠ بعد نقل القولين في التصرّفات المراد منها مجرّد الاختبار ـ : «والمسألة محلّ إشكال». وراجع الأقوال في التصرّف للاستخبار ، المقابس : ٢٤٧ أيضاً.