درس مکاسب - خیارات

جلسه ۶۵: خیار غبن ۱۵

 

المعيب (١) قد يكون ضرراً ، فإن تمّ دليلٌ في التدليس أيضاً قلنا به ، وإلاّ وجب الرجوع إلى دليل خياره.

ثمّ إنّ الحكم بسقوط الخيار بالتصرّف بعد العلم بالغبن مبنيٌّ على ما تقدّم في الخيارات السابقة : من تسليم كون التصرّف دليلاً على الرضا بلزوم العقد ، وإلاّ كان اللازم في غير ما دلّ فعلاً على الالتزام بالعقد من أفراد التصرّف ، الرجوع إلى أصالة بقاء الخيار.

٤ ـ تصرّف المشتري المغبون تصرّفاً مخرجاً عن الملك

الرابع من المسقطات : تصرّف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن تصرّفاً مخرجاً عن الملك على وجه اللزوم كالبيع والعتق. فإنّ المصرَّح به في كلام المحقّق (٢) ومن تأخّر عنه (٣) هو سقوط خياره حينئذٍ ، وقيل : إنّه المشهور (٤). وهو كذلك بين المتأخّرين.

نعم ، ذكر الشيخ في خيار المشتري مرابحةً عند كذب البائع : أنّه لو هلك السلعة أو تصرّف فيها ، سقط الردّ (٥).

والظاهر اتّحاد هذا الخيار مع خيار الغبن ، كما يظهر من جامع‌

__________________

(١) الشرائع ٢ : ٢٢.

(٢) مثل العلاّمة في التذكرة ١ : ٥٢٣ ، والشهيد في غاية المراد ٢ : ٩٩ ، والفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ٤٨ ، وابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٢ : ٣٧٦ ، وانظر مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٢.

(٣) قاله الشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٤٦٥ ، والمحدث الكاشاني في المفاتيح ٣ : ٧٤ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ١ : ٥٢٥.

(٤) المبسوط ٢ : ١٤٣.

(٥) في «ش» : «ولا يبطل».

المقاصد في شرح قول الماتن : «ولا يسقط (١) الخيار بتلف العين» فراجع (٢).

واستدلّ على هذا الحكم في التذكرة (٣) بعدم إمكان استدراكه مع الخروج عن الملك. وهو بظاهره مشكلٌ ؛ لأنّ الخيار غير مشروطٍ عندهم بإمكان ردّ العين.

ويمكن أن يوجّه بأنّ حديث «نفي الضرر» لم يدلّ على الخيار ، بل المتيقّن منه جواز ردّ العين المغبون فيها ، فإذا امتنع ردّها ، فلا دليل على جواز فسخ العقد ، وتضرّر المغبون من جهة زيادة الثمن معارَضٌ بتضرّر الغابن بقبول البدل ، فإنّ دفع الضرر من الطرفين إنّما يكون بتسلّط المغبون على ردّ العين ، فيكون حاله من حيث إنّ له القبول والردّ حالَ العالم بالغبن قبل المعاملة في أنّ له أن يشتري وأن يترك ، وليس هكذا بعد خروج العين عن ملكه ؛ مع أنّ إخراج المغبون العينَ عن ملكه التزامٌ بالضرر ، ولو جهلاً منه به.

هذا ، ولكن اعترض عليهم شيخنا الشهيد قدّس روحه السعيدة في اللمعة (٤) بما توضيحه : أنّ الضرر الموجب للخيار قبل التصرّف ثابتٌ مع التصرّف ، والتصرّف مع الجهل بالضرر ليس إقداماً عليه ؛ لما عرفت من أنّ الخارج عن عموم نفي الضرر ليس إلاّ صورة الإقدام عليه عالماً به ، فيجب تدارك الضرر باسترداد ما دفعه من الثمن الزائد بردّ نفس العين مع بقائها على ملكه وبدلها مع عدمه ، وفوات خصوصيّة العين‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ٣١٨.

(٢) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٣) راجع اللمعة الدمشقيّة : ١٢٨.

(٤) في «ش» زيادة : «المبيعة».

على الغابن ليس ضرراً ؛ لأنّ العين (١) إن كانت مثليّةً فلا ضرر بتبدّلها بمثلها ، وإن كانت قيميّةً فتعريضها للبيع يدلّ على إرادة قيمتها ، فلا ضرر أصلاً ، فضلاً عن أن يعارض به ضرر زيادة الثمن على القيمة ، خصوصاً مع الإفراط في الزيادة.

والإنصاف أنّ هذا حسنٌ جدّاً ، لكن قال في الروضة : إن لم يكن الحكم إجماعاً (٢).

أقول : والظاهر عدمه ؛ لأنّك عرفت عدم عنوان المسألة في كلام من تقدّم على المحقّق فيما تتبّعتُ.

لا فرق في المغبون المتصرّف بين البائع والمشتري

ثمّ إنّ مقتضى دليل المشهور عدم الفرق في المغبون المتصرّف بين البائع والمشتري.

قال في التحرير بعد أن صرّح بثبوت الخيار للمغبون بائعاً كان أو مشترياً ـ : «ولا يسقط الخيار بالتصرّف مع إمكان الردّ» (٣) ، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الناقل اللازم ، وبين فكّ الملك كالعتق والوقف ، وبين المانع عن الردّ مع البقاء على الملك كالاستيلاد ، بل ويعمّ التلف.

وعن جماعةٍ : تخصيص العبارة بالمشتري (٤). فإن أرادوا قصرَ‌

__________________

(١) راجع الروضة البهيّة ٣ : ٤٦٦ ، ولكن لم نعثر فيه على دعوى الإجماع ، ولعلّها تستفاد من عبارة : «لكن لم أقف على قائلٍ به».

(٢) التحرير ١ : ١٦٦.

(٣) قال السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٢ : «وقد صرّح الأكثر بأنّ المراد به المشتري» ، ولم نعثر على غيره ، وراجع الشرائع ٢ : ٢٢ ، والمهذّب البارع ٢ : ٣٧٦ ، واللمعة : ١٢٨ ، والرياض ٨ : ١٩٢.

(٤) منهم : ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٢ : ٣٧٦ ، والشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٤٧١ ٤٧٢ ، والصيمري في غاية المرام (مخطوط) ١ : ٢٩١ ٢٩٢.

الحكم عليه فلا يُعرف له وجهٌ ، إلاّ أن يبنى على مخالفته لعموم دليل الخيار ، أعني نفي الضرر ، فيقتصر على مورد الإجماع.

الناقل الجائز لا يمنع الردّ بالخيار اذا فسخه

ثمّ إنّ ظاهر التقييد بصورة امتناع الردّ ، وظاهر التعليل بعدم إمكان الاستدراك ما صرّح به جماعةٌ (١) : من أنّ الناقل الجائز لا يمنع الردّ بالخيار إذا فسخه ، فضلاً عن مثل التدبير والوصيّة من التصرّفات الغير الموجبة للخروج عن الملك فعلاً. وهو حسنٌ ؛ لعموم نفي الضرر ، ومجرّد الخروج عن الملك لا يُسقط تدارك ضرر الغبن.

لو اتّفق زوال المانع

ولو اتّفق زوال المانع كموت ولد أُمّ الولد وفسخ العقد اللازم لعيبٍ أو غبنٍ ففي جواز الردّ وجهان : من أنّه متمكّنٌ حينئذٍ ، ومن استقرار البيع. وربما يُبنيان على أنّ الزائل العائد كالذي لم يزُل أو كالذي لم يَعُد. وكذا الوجهان فيما لو عاد إليه بناقلٍ جديد ، وعدم الخيار هنا أولى ؛ لأنّ العود هنا بسببٍ جديد ، وفي الفسخ برفع السبب السابق.

هل تلحق الاجارة بالبيع؟

وفي لحوق الإجارة بالبيع قولان :

من امتناع الردّ ، وهو مختار الصيمري (٢) وأبي العبّاس (٣).

ومن أنّ مورد الاستثناء هو التصرّف المخرِج عن الملك ، وهو المحكيّ عن ظاهر الأكثر (٤).

__________________

(١) اختاره في غاية المرام (مخطوط) ١ : ٢٩١ ، وفيه : «سواء كان وارداً على العين .. أو على المنافع كالإجارة».

(٢) اختاره في المهذّب البارع ٢ : ٣٧٧.

(٣) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٥.

(٤) في «ش» زيادة : «فتأمّل».