درس مکاسب - خیارات

جلسه ۹۳: خیار رویت ۵

 

مسألة

هل خيار الرؤية فوري؟

الأكثر على أنّ الخيار عند الرؤية فوريٌّ ، بل نسب إلى ظاهر الأصحاب (١) ، بل ظاهر التذكرة عدم الخلاف بين المسلمين إلاّ من أحمد ، حيث جعله ممتدّاً بامتداد المجلس الذي وقعت فيه الرؤية (٢) ، واحتمله في نهاية الإحكام (٣).

ولم أجد لهم دليلاً صالحاً على ذلك ، إلاّ وجوب الاقتصار في مخالفة لزوم العقد على المتيقّن ، ويبقى على القائلين بالتراخي في مثل خيار الغبن والعيب سؤال الفرق بين المقامين ، مع أنّ صحيحة جميل المتقدّمة في صدر المسألة (٤) مطلقةٌ يمكن التمسّك بعدم بيان مدّة الخيار فيها على عدم الفوريّة وإن كان خلاف التحقيق ، كما نبّهنا عليه في بعض الخيارات المستندة إلى النصّ. وقد بيّنا سابقاً (٥) ضعف التمسّك بالاستصحاب في إثبات التراخي وإن استندوا إليه في بعض الخيارات السابقة.

__________________

(١) نسبه في الحدائق ١٩ : ٥٩ إلى ظاهر كلام أكثر الأصحاب ، ولم نعثر على غيره.

(٢) التذكرة ١ : ٤٦٧.

(٣) نهاية الإحكام ٢ : ٥٠٨.

(٤) تقدّمت في الصفحة ٢٤٥.

(٥) بيّنه في خيار الغبن ، راجع الصفحة ٢٠٩ ٢١٢.

مسألة

مسقطات خيار الرؤية

يسقط هذا الخيار بترك المبادرة عرفاً‌ على الوجه المتقدّم في خيار الغبن (١) ، وبإسقاطه بعد الرؤية ، وبالتصرّف بعدها ، ولو تصرّف قبلها ففي سقوط الخيار وجوهٌ ، ثالثها : ابتناء ذلك على جواز إسقاط الخيار قولاً قبل الرؤية ، بناءً على أنّ التصرّف إسقاطٌ فعلي.

هل يجوز اسقاط هذا الخيار قبل الرؤية؟

وفي جواز إسقاطه قبل الرؤية وجهان مبنيّان على أنّ الرؤية سبب أو كاشف.

قال في التذكرة : لو اختار إمضاء العقد قبل الرؤية لم يلزم ؛ لتعلّق الخيار بالرؤية (٢) ، انتهى. وحكي ذلك عن غيرها أيضاً (٣).

وظاهره : أنّ الخيار يحدث بالرؤية ، لا أنّه يظهر بها ، ولو جعلت الرؤية شرطاً لا سبباً أمكن جواز الإسقاط بمجرّد تحقّق السبب وهو‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٢١٣ وما بعدها.

(٢) التذكرة ١ : ٤٦٧ و ٥٣٣.

(٣) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٨٦ بلفظ «وفي التذكرة وغيرها» ولكن لم نعثر على غير التذكرة.

العقد. ولا يخلو عن قوّة.

لو اشترط سقوط هذا الخيار

ولو شرط سقوط هذا الخيار ، ففي فساده وإفساده للعقد ، كما عن العلاّمة (١) وجماعةٍ (٢) ، أو عدمهما ، كما عن النهاية (٣) وبعضٍ (٤) ، أو الفساد دون الإفساد (٥) ، وجوهٌ ، بل أقوالٌ :

الاقوال في المسألة

من كونه موجباً لكون العقد غرراً ، كما في جامع المقاصد : من أنّ الوصف قام مقام الرؤية ، فإذا شرط عدم الاعتداد به كان المبيع غير مرئيٍّ ولا موصوف (٦).

ومن أنّ دفع الغرر عن هذا البيع ليس بالخيار حتّى يثبت بارتفاعه ، فإنّ الخيار حكمٌ شرعيٌّ لو أثّر في دفع الغرر جاز بيع كلّ مجهولٍ متزلزلاً ، والعلم بالمبيع لا يرتفع بالتزام عدم الفسخ عند تبيّن المخالفة ، فإنّ الغرر هو الإقدام على شراء العين الغائبة على أيّ صفةٍ كانت ، ولو كان الالتزام المذكور مؤدّياً إلى الغرر لكان اشتراط البراءة من العيوب أيضاً مؤدّياً إليه ؛ لأنّه بمنزلة بيع الشي‌ء‌

__________________

(١) راجع التذكرة ١ : ٤٦٧.

(٢) كالشهيد في الدروس ٣ : ٢٧٦ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٤ : ٣٠٣ ، والمحقّق النراقي في المستند ١٤ : ٤٠٨ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٢٩٢.

(٣) نهاية الإحكام ٢ : ٥٠٧.

(٤) وهو المحدّث الكاشاني في المفاتيح ٣ : ٧٢.

(٥) لم نعثر على القائل به في هذا المبحث ، نعم قال به جماعة في مبحث الشرط الفاسد ، منهم الفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٤٧٤ ، بعد نقله عن الشيخ في المبسوط ، راجع مفتاح الكرامة ٤ : ٧٣٢.

(٦) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٣.

صحيحاً أو معيباً بأيّ عيبٍ كان ، ولا شكّ أنّه غررٌ ، وإنّما جاز بيع الشي‌ء غير مشروطٍ بالصحّة اعتماداً على أصالة الصحّة ، لا من جهة عدم اشتراط ملاحظة الصحّة والعيب في المبيع ؛ لأنّ تخالف أفراد الصحيح والمعيب أفحش من تخالف أفراد الصحيح ، واقتصارهم في بيان الأوصاف المعتبرة في بيع العين الغائبة على ما عدا الصفات الراجعة إلى العيب إنّما هو للاستغناء عن تلك الأوصاف بأصالة الصحّة ، لا لجواز إهمالها عند البيع.

فحينئذٍ ، فإذا شرط البراءة من العيوب ، كان ذلك راجعاً إلى عدم الاعتداد بوجود تلك الأوصاف وعدمها ، فيلزم الغرر ، خصوصاً على ما حكاه في الدروس عن ظاهر الشيخ وأتباعه (١) : من جواز اشتراط البراءة من العيوب فيما لا قيمة لمكسوره كالبيض والجوز الفاسدين كذلك ، حيث إنّ مرجعه على ما ذكروه هنا في اشتراط سقوط خيار الرؤية إلى اشتراط عدم الاعتداد بماليّة المبيع ؛ ولذا اعترض عليهم الشهيد وأتباعه بفساد البيع مع هذا الشرط (٢).

لكن مقتضى اعتراضهم فساد اشتراط البراءة من سائر العيوب ولو كان للمعيب قيمة ؛ لأنّ مرجعه إلى عدم الاعتداد بكون المبيع صحيحاً أو معيباً بأيّ عيبٍ ، والغرر فيه أفحش من البيع مع عدم الاعتداد بكون المبيع الغائب متّصفاً بأيّ وصفٍ كان.

__________________

(١) الدروس ٣ : ١٩٨ ، وراجع المبسوط ٢ : ١٣٨ ، والوسيلة : ٢٤٧ و ٢٥٥ ، وإصباح الشيعة : ٢٢٤ ، والمهذّب ١ : ٣٩٢.

(٢) راجع المبسوط ٣ : ١٩٨.