درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۰: وضع تعیینی است و تعینی

 

بتلك اللغة.

وقيل : (١) ـ وهو الأقرب إلى الصواب ـ إنّ الطبيعة البشريّة حسب القوّة المودعة من الله (تعالى) فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ ، فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص ـ كما هو المشاهد من الصبيان عند أوّل أمرهم ـ فيتفاهم مع الآخرين الذين يتّصلون به ، والآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم ، وتتألّف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ ، حتى تكون لغة خاصّة ، لها قواعدها يتفاهم بها قوم من البشر. وهذه اللغة قد تتشعّب بين أقوام متباعدة ، وتتطوّر عند كلّ قوم بما يحدث فيها من التغيير والزيادة ، حتى قد تنبثق (٢) منها لغات أخرى ، فيصبح لكلّ جماعة لغتهم الخاصّة.

وعليه ، تكون حقيقة الوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى ، وتخصيصه به. وممّا يدلّ على اختيار القول الثاني في الواضع أنّه لو كان الواضع شخصا واحدا لنقل ذلك في تأريخ اللغات ، ولعرف عند كلّ لغة واضعها.

٣. الوضع تعيينىّ وتعيّنىّ

ثمّ إنّ دلالة الألفاظ على معانيها الأصل فيها أن تكون ناشئة من الجعل والتخصيص ، ويسمّى الوضع حينئذ : «تعيينيّا» ، وقد تنشأ الدلالة من اختصاص اللفظ بالمعنى الحاصل هذا الاختصاص من الكثرة في الاستعمال على درجة من الكثرة أنّه تألفه الأذهان على وجه إذا سمع اللفظ ينتقل السامع منه إلى المعنى ، ويسمّى الوضع حينئذ : «تعيّنيّا» (٣).

__________________

ـ وإرشاد الفحول : ١٢ ، ومنتهى الوصول والأمل : ٣٨.

واختاره المحقّق النائينيّ وقال بأنّ الواضع هو الله (تعالى) بتوسيط الوحي إلى أنبيائه والإلهام إلى غيرها من البشر. راجع فوائد الأصول ١ : ٣٠.

(١) والقائل هو المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٢٤. واختاره السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ١ : ٣٦ و ٣٧ ، والسيّد الإمام الخمينيّ في تنقيح الأصول ١ : ٢٩.

(٢) تنبثق أي تفيض وتصدر.

(٣) ولا يخفى أنّ هذا التقسيم لا يستقيم على مبنى المصنّف رحمه‌الله من أنّ الوضع جعل اللفظ بإزاء المعنى ـ

٤. أقسام الوضع

لا بدّ في الوضع من تصوّر اللفظ والمعنى ؛ لأنّ الوضع حكم على المعنى وعلى اللفظ ، ولا يصحّ الحكم على الشيء إلاّ بعد تصوّره ومعرفته بوجه من الوجوه ولو على نحو الإجمال ؛ لأنّ تصوّر الشيء قد يكون بنفسه ، وقد يكون بوجهه ـ أي بتصوّر عنوان عامّ ينطبق عليه ويشار به إليه ؛ إذ يكون ذلك العنوان العامّ مرآة وكاشفا عنه ، كما إذا حكمت على شبح من بعيد «أنّه أبيض» ـ مثلا ـ وأنت لا تعرفه بنفسه أنّه أيّ شيء هو ، وأكثر ما تعرف عنه ـ مثلا ـ أنّه شيء من الأشياء أو حيوان من الحيوانات ، فقد صحّ حكمك عليه بأنّه أبيض مع أنّك لم تعرفه ولم تتصوّره بنفسه وإنّما تصوّرته بعنوان أنّه شيء أو حيوان ، لا أكثر ، وأشرت به إليه ، وهذا ما يسمّى في عرفهم : «تصوّر الشيء بوجهه» ـ ، وهو كاف لصحّة الحكم على الشيء. وهذا بخلاف المجهول محضا ؛ فإنّه لا يمكن الحكم عليه أبدا.

وعلى هذا ، فإنّه يكفينا في صحّة الوضع للمعنى أن نتصوّره بوجهه ، كما لو كنّا تصوّرناه بنفسه.

ولمّا عرفنا أنّ المعنى لا بدّ من تصوّره ، وأنّ تصوّره على نحوين ، فانّه بهذا الاعتبار وباعتبار ثان هو أنّ المعنى قد يكون خاصّا ـ أي جزئيّا ـ وقد يكون عامّا ـ أي كلّيّا ـ نقول : إنّ الوضع ينقسم إلى أربعة أقسام عقليّة :

١. أن يكون المعنى المتصوّر جزئيّا ، والموضوع له نفس ذلك الجزئيّ ـ أي إنّ الموضوع له معنى متصوّر بنفسه لا بوجهه ـ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع خاصّ والموضوع له خاصّ (١)».

٢. أن يكون المتصوّر كلّيّا ، والموضوع له نفس ذلك الكلّي ـ أي إنّ الموضوع له كلّيّ

__________________

ـ وتخصيصه به. وذلك لأنّه ليس في الوضع التعيّني جعل ولا تخصيص ، بل فيه اختصاص اللفظ بالمعنى الحاصل من كثرة الاستعمال.

وناقش في هذا التقسيم الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ٥٧ ، كما تعرّض للمناقشة فيه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ٢٩.

(١) الجملة الاسميّة في محلّ المنصوب الثاني ليسمّى.