درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۹: واضع کیست؟

 

المقدّمة

تبحث عن أمور لها علاقة بوضع الألفاظ واستعمالها ودلالتها ، وفيها أربعة عشر مبحثا :

١. حقيقة الوضع

لا شكّ أنّ دلالة الألفاظ على معانيها ـ في أيّة لغة كانت ـ ليست ذاتيّة ، كذاتيّة دلالة الدخان ـ مثلا ـ على وجود النار ـ وإن توهّم ذلك بعضهم (١) ـ لأنّ لازم هذا الزعم أن يشترك جميع البشر في هذه الدلالة ، مع أنّ الفارسيّ ـ مثلا ـ لا يفهم الألفاظ العربيّة ولا غيرها من دون تعلّم ، وكذلك العكس في جميع اللغات ، وهذا واضح.

وعليه ، فليست دلالة الألفاظ على معانيها إلاّ بالجعل والتخصيص من واضع تلك الألفاظ لمعانيها. ولذا تدخل الدلالة اللفظيّة هذه في الدلالة الوضعيّة.

٢. من الواضع؟

ولكن من ذلك الواضع الأوّل في كلّ لغة من اللغات؟

قيل : (٢) إنّ الواضع لا بدّ أن يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم

__________________

(١) ومنهم سليمان بن عباد الصيمريّ على ما في بعض الكتب ، كالفصول : ٢٣ ، ومفاتيح الأصول : ٢.

وذهب المحقّق النائينيّ أيضا إلى أنّها ذاتيّة ولكن لا بحيث يلزم من تصوّره تصوّر المعنى. راجع أجود التقريرات ١ : ١٩ ، فوائد الأصول ١ : ٣٠ ـ ٣١.

(٢) من قال به هو الأشاعرة ، فإنّهم قالوا بأنّ الواضع هو الله (تعالى) على ما في الكتب ، كالفصول : ٢٣ ، ـ

بتلك اللغة.

وقيل : (١) ـ وهو الأقرب إلى الصواب ـ إنّ الطبيعة البشريّة حسب القوّة المودعة من الله (تعالى) فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ ، فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص ـ كما هو المشاهد من الصبيان عند أوّل أمرهم ـ فيتفاهم مع الآخرين الذين يتّصلون به ، والآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم ، وتتألّف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ ، حتى تكون لغة خاصّة ، لها قواعدها يتفاهم بها قوم من البشر. وهذه اللغة قد تتشعّب بين أقوام متباعدة ، وتتطوّر عند كلّ قوم بما يحدث فيها من التغيير والزيادة ، حتى قد تنبثق (٢) منها لغات أخرى ، فيصبح لكلّ جماعة لغتهم الخاصّة.

وعليه ، تكون حقيقة الوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى ، وتخصيصه به. وممّا يدلّ على اختيار القول الثاني في الواضع أنّه لو كان الواضع شخصا واحدا لنقل ذلك في تأريخ اللغات ، ولعرف عند كلّ لغة واضعها.

٣. الوضع تعيينىّ وتعيّنىّ

ثمّ إنّ دلالة الألفاظ على معانيها الأصل فيها أن تكون ناشئة من الجعل والتخصيص ، ويسمّى الوضع حينئذ : «تعيينيّا» ، وقد تنشأ الدلالة من اختصاص اللفظ بالمعنى الحاصل هذا الاختصاص من الكثرة في الاستعمال على درجة من الكثرة أنّه تألفه الأذهان على وجه إذا سمع اللفظ ينتقل السامع منه إلى المعنى ، ويسمّى الوضع حينئذ : «تعيّنيّا» (٣).

__________________

ـ وإرشاد الفحول : ١٢ ، ومنتهى الوصول والأمل : ٣٨.

واختاره المحقّق النائينيّ وقال بأنّ الواضع هو الله (تعالى) بتوسيط الوحي إلى أنبيائه والإلهام إلى غيرها من البشر. راجع فوائد الأصول ١ : ٣٠.

(١) والقائل هو المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٢٤. واختاره السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ١ : ٣٦ و ٣٧ ، والسيّد الإمام الخمينيّ في تنقيح الأصول ١ : ٢٩.

(٢) تنبثق أي تفيض وتصدر.

(٣) ولا يخفى أنّ هذا التقسيم لا يستقيم على مبنى المصنّف رحمه‌الله من أنّ الوضع جعل اللفظ بإزاء المعنى ـ