درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۳: اقسام وضع ۳

 

متصوّر بنفسه لا بوجهه ـ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع عامّ والموضوع له عامّ».

٣. أن يكون المتصوّر كلّيّا ، والموضوع له أفراد الكلّيّ لا نفسه ـ أي إنّ الموضوع له جزئيّ غير متصوّر بنفسه بل بوجهه ـ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع عامّ والموضوع له خاصّ».

٤. أن يكون المتصوّر جزئيّا ، والموضوع له كلّيّا لذلك الجزئيّ ؛ ويسمّى هذا القسم : «الوضع خاصّ والموضوع له عامّ».

إذا عرفت هذه الأقسام المتصوّرة العقليّة ، فنقول : لا نزاع في إمكان الأقسام الثلاثة الأولى ، كما لا نزاع في وقوع القسمين الأوّلين. ومثال الأوّل : الأعلام الشخصيّة ، كمحمّد وعلي وجعفر ؛ ومثال الثاني : أسماء الأجناس ، كماء وسماء ونجم وإنسان وحيوان.

وإنّما النزاع وقع في أمرين : الأوّل : في إمكان القسم الرابع. والثاني : في وقوع الثالث بعد التسليم بإمكانه. والصحيح عندنا استحالة الرابع ووقوع الثالث ، ومثاله : الحروف وأسماء الإشارة والضمائر والاستفهام ونحوها على ما سيأتي (١).

٥. استحالة القسم الرابع

أمّا استحالة الرابع ـ وهو الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ ـ فنقول في بيانها : إنّ النزاع في إمكان ذلك ناشئ من النزاع في إمكان أن يكون الخاصّ وجها وعنوانا للعامّ ، وذلك لما تقدّم أنّ المعنى الموضوع له لا بدّ من تصوّره بنفسه أو بوجهه ؛ لاستحالة الحكم على المجهول ، والمفروض في هذا القسم أنّ المعنى الموضوع له لم يكن متصوّرا ، وإنّما تصوّر الخاصّ فقط ، وإلاّ لو كان متصوّرا بنفسه ولو بسبب تصوّر الخاصّ ، كان من القسم الثاني ، وهو الوضع العامّ والموضوع له العامّ ، ولا كلام في إمكانه بل في وقوعه كما تقدّم.

فلا بدّ حينئذ للقول بإمكان القسم الرابع من أن نفرض أنّ الخاصّ يصحّ أن يكون وجها من وجوه العامّ ، وجهة من جهاته حتى يكون تصوّره كافيا عن تصوّر العامّ بنفسه ، ومغنيا عنه ؛ لأجل أن يكون تصوّرا للعامّ بوجه.

__________________

(١) يأتي في الأمر السادس من المقدّمة.

ولكنّ الصحيح ـ الواضح لكلّ مفكّر ـ أنّ الخاصّ ليس من وجوه العامّ ، بل الأمر بالعكس من ذلك ؛ فإنّ العامّ هو وجه من وجوه الخاصّ ، وجهة من جهاته. ولذا قلنا بإمكان القسم الثالث وهو «الوضع العامّ والموضوع له الخاص» ؛ لأنّا إذا تصوّرنا العامّ فقد تصوّرنا في ضمنه جميع أفراده بوجه ، فيمكن الوضع لنفس ذلك العامّ من جهة تصوّره بنفسه ، فيكون من القسم الثاني ، ويمكن الوضع لأفراده من جهة تصوّرها بوجهها ، فيكون من الثالث ، بخلاف الأمر في تصوّر الخاصّ ، فلا يمكن الوضع معه إلاّ لنفس ذلك الخاصّ ، ولا يمكن الوضع للعامّ ؛ لأنّا لم نتصوّره أصلا ، لا بنفسه بحسب الفرض ولا بوجهه ؛ إذ ليس الخاصّ وجها له (١). ويستحيل الحكم على المجهول المطلق.

٦. وقوع الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ، وتحقيق المعنى الحرفي

أمّا وقوع القسم الثالث : فقد قلنا : إنّ مثاله وضع الحروف ، وما يلحق بها من أسماء الإشارة والضمائر والموصولات والاستفهام ونحوها.

وقبل إثبات ذلك لا بدّ من تحقيق معنى الحرف وما يمتاز به عن الاسم ، فنقول : الأقوال في وضع الحروف وما يلحق بها من الأسماء ثلاثة :

١. إنّ الموضوع له في الحروف هو بعينه الموضوع له في الأسماء المسانخة لها في المعنى ، فمعنى «من» الابتدائيّة هو عين معنى كلمة «الابتداء» بلا فرق ، وكذا معنى «على» معنى كلمة «الاستعلاء» ، ومعنى «في» معنى كلمة «الظرفيّة» ... وهكذا.

وإنما الفرق في جهة أخرى ، وهي أنّ الحرف وضع لأجل أن يستعمل في معناه إذا لوحظ ذلك المعنى حالة وآلة لغيره ـ أي إذا لوحظ المعنى غير مستقلّ في نفسه ـ ، والاسم وضع لأجل أن يستعمل في معناه إذا لو حفظ مستقلاّ في نفسه ؛ مثلا مفهوم «الابتداء» معنى واحد وضع له لفظان : أحدهما لفظ «الابتداء» ، والثاني كلمة «من» ، لكنّ الأوّل وضع له ؛

__________________

(١) لا يخفى أنّ العامّ أيضا بما أنّه عامّ لا يمكن أن يكون مرآة للخاصّ بما أنّه خاصّ ، فإنّا إذا تصوّرنا «الإنسان» بما أنّه إنسان لا يحكي إلاّ عن الإنسانيّة الصرفة ، نعم ، إذا تصوّرناه بما أنّه صادق على الأفراد يحكي عنها بالإجمال.