درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۶: وقوع قسم سوم و تحقیق معنای حروف ۲

 

ولكنّ الصحيح ـ الواضح لكلّ مفكّر ـ أنّ الخاصّ ليس من وجوه العامّ ، بل الأمر بالعكس من ذلك ؛ فإنّ العامّ هو وجه من وجوه الخاصّ ، وجهة من جهاته. ولذا قلنا بإمكان القسم الثالث وهو «الوضع العامّ والموضوع له الخاص» ؛ لأنّا إذا تصوّرنا العامّ فقد تصوّرنا في ضمنه جميع أفراده بوجه ، فيمكن الوضع لنفس ذلك العامّ من جهة تصوّره بنفسه ، فيكون من القسم الثاني ، ويمكن الوضع لأفراده من جهة تصوّرها بوجهها ، فيكون من الثالث ، بخلاف الأمر في تصوّر الخاصّ ، فلا يمكن الوضع معه إلاّ لنفس ذلك الخاصّ ، ولا يمكن الوضع للعامّ ؛ لأنّا لم نتصوّره أصلا ، لا بنفسه بحسب الفرض ولا بوجهه ؛ إذ ليس الخاصّ وجها له (١). ويستحيل الحكم على المجهول المطلق.

٦. وقوع الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ ، وتحقيق المعنى الحرفي

أمّا وقوع القسم الثالث : فقد قلنا : إنّ مثاله وضع الحروف ، وما يلحق بها من أسماء الإشارة والضمائر والموصولات والاستفهام ونحوها.

وقبل إثبات ذلك لا بدّ من تحقيق معنى الحرف وما يمتاز به عن الاسم ، فنقول : الأقوال في وضع الحروف وما يلحق بها من الأسماء ثلاثة :

١. إنّ الموضوع له في الحروف هو بعينه الموضوع له في الأسماء المسانخة لها في المعنى ، فمعنى «من» الابتدائيّة هو عين معنى كلمة «الابتداء» بلا فرق ، وكذا معنى «على» معنى كلمة «الاستعلاء» ، ومعنى «في» معنى كلمة «الظرفيّة» ... وهكذا.

وإنما الفرق في جهة أخرى ، وهي أنّ الحرف وضع لأجل أن يستعمل في معناه إذا لوحظ ذلك المعنى حالة وآلة لغيره ـ أي إذا لوحظ المعنى غير مستقلّ في نفسه ـ ، والاسم وضع لأجل أن يستعمل في معناه إذا لو حفظ مستقلاّ في نفسه ؛ مثلا مفهوم «الابتداء» معنى واحد وضع له لفظان : أحدهما لفظ «الابتداء» ، والثاني كلمة «من» ، لكنّ الأوّل وضع له ؛

__________________

(١) لا يخفى أنّ العامّ أيضا بما أنّه عامّ لا يمكن أن يكون مرآة للخاصّ بما أنّه خاصّ ، فإنّا إذا تصوّرنا «الإنسان» بما أنّه إنسان لا يحكي إلاّ عن الإنسانيّة الصرفة ، نعم ، إذا تصوّرناه بما أنّه صادق على الأفراد يحكي عنها بالإجمال.

لأجل أن يستعمل فيه عند ما يلاحظه المستعمل مستقلاّ في نفسه ، كما إذا قيل : «ابتداء السير كان سريعا» ، والثاني وضع له ؛ لأجل أن يستعمل فيه عند ما يلاحظه المستعمل غير مستقلّ في نفسه ، كما إذا قيل : «سرت من النجف».

فتحصّل أنّ الفرق بين معنى الحرف ومعنى الاسم أنّ الأوّل يلاحظه المستعمل حين الاستعمال آلة لغيره ، وغير مستقلّ في نفسه ، والثاني يلاحظه حين الاستعمال مستقلاّ ، مع أنّ المعنى في كليهما واحد. والفرق بين وضعيهما إنمّا هو في الغاية فقط.

ولازم هذا القول أنّ الوضع والموضوع له في الحروف عامّان. وهذا القول منسوب إلى الشيخ الرضيّ نجم الأئمّة (١) ، واختاره المحقّق صاحب الكفاية (٢) قدس‌سره.

٢. إنّ الحروف لم توضع لمعان أصلا ، بل حالها حال علامات الإعراب في إفادة كيفيّة خاصّة في لفظ آخر ، فكما أنّ علامة الرفع في قولهم : «حدّثنا زرارة» تدلّ على أنّ «زرارة» فاعل الحديث ، كذلك «من» في مثال المتقدّم تدلّ على أنّ النجف مبتدأ منها والسير مبتدأ به.

٣. إنّ الحروف موضوعة لمعان مباينة في حقيقتها وسنخها للمعاني الاسميّة ؛ فإنّ المعاني الاسميّة في حدّ ذاتها معان مستقلّة في أنفسها ، ومعاني الحروف لا استقلال لها ، بل هي متقوّمة بغيرها (٣).

والصحيح هذا القول الثالث. ويحتاج إلى توضيح وبيان.

إنّ المعاني الموجودة في الخارج على نحوين :

الأوّل : ما يكون موجودا في نفسه ، كـ «زيد» الذي هو من جنس الجوهر ، و «قيامه»

__________________

(١) ينسب إليه هذا القول والقول الثاني. والنسبة صحيحة بمقتضى ما في عباراته من الاختلاف ، وإن كان الثاني ينافي تعريف المعنى الحرفيّ بعدم الاستقلال في المفهوميّة. راجع شرح الكافية ١ : ٩ و ١٠.

(٢) كفاية الأصول : ٢٥. وناقش فيه بعض من تأخّر عنه كما في نهاية الأفكار ١ : ٤١ ؛ ونهاية الأصول : ١٨ ؛ والمحاضرات ١ : ٥٧ و ٥٨ ؛ وتنقيح الأصول ١ : ٣٨ و ٣٩.

(٣) ذهب إلى المباينة جماعة ، وإن اختلفوا في كيفيّتها ، فراجع الأسفار ١ : ٧٨ ـ ٨٢ ؛ فوائد الأصول ١ : ٤٢ ـ ٤٥ ؛ بدائع الأفكار (العراقي) ١ : ٤٢.