درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷: وقوع قسم سوم و تحقیق معنای حروف ۳

 

لأجل أن يستعمل فيه عند ما يلاحظه المستعمل مستقلاّ في نفسه ، كما إذا قيل : «ابتداء السير كان سريعا» ، والثاني وضع له ؛ لأجل أن يستعمل فيه عند ما يلاحظه المستعمل غير مستقلّ في نفسه ، كما إذا قيل : «سرت من النجف».

فتحصّل أنّ الفرق بين معنى الحرف ومعنى الاسم أنّ الأوّل يلاحظه المستعمل حين الاستعمال آلة لغيره ، وغير مستقلّ في نفسه ، والثاني يلاحظه حين الاستعمال مستقلاّ ، مع أنّ المعنى في كليهما واحد. والفرق بين وضعيهما إنمّا هو في الغاية فقط.

ولازم هذا القول أنّ الوضع والموضوع له في الحروف عامّان. وهذا القول منسوب إلى الشيخ الرضيّ نجم الأئمّة (١) ، واختاره المحقّق صاحب الكفاية (٢) قدس‌سره.

٢. إنّ الحروف لم توضع لمعان أصلا ، بل حالها حال علامات الإعراب في إفادة كيفيّة خاصّة في لفظ آخر ، فكما أنّ علامة الرفع في قولهم : «حدّثنا زرارة» تدلّ على أنّ «زرارة» فاعل الحديث ، كذلك «من» في مثال المتقدّم تدلّ على أنّ النجف مبتدأ منها والسير مبتدأ به.

٣. إنّ الحروف موضوعة لمعان مباينة في حقيقتها وسنخها للمعاني الاسميّة ؛ فإنّ المعاني الاسميّة في حدّ ذاتها معان مستقلّة في أنفسها ، ومعاني الحروف لا استقلال لها ، بل هي متقوّمة بغيرها (٣).

والصحيح هذا القول الثالث. ويحتاج إلى توضيح وبيان.

إنّ المعاني الموجودة في الخارج على نحوين :

الأوّل : ما يكون موجودا في نفسه ، كـ «زيد» الذي هو من جنس الجوهر ، و «قيامه»

__________________

(١) ينسب إليه هذا القول والقول الثاني. والنسبة صحيحة بمقتضى ما في عباراته من الاختلاف ، وإن كان الثاني ينافي تعريف المعنى الحرفيّ بعدم الاستقلال في المفهوميّة. راجع شرح الكافية ١ : ٩ و ١٠.

(٢) كفاية الأصول : ٢٥. وناقش فيه بعض من تأخّر عنه كما في نهاية الأفكار ١ : ٤١ ؛ ونهاية الأصول : ١٨ ؛ والمحاضرات ١ : ٥٧ و ٥٨ ؛ وتنقيح الأصول ١ : ٣٨ و ٣٩.

(٣) ذهب إلى المباينة جماعة ، وإن اختلفوا في كيفيّتها ، فراجع الأسفار ١ : ٧٨ ـ ٨٢ ؛ فوائد الأصول ١ : ٤٢ ـ ٤٥ ؛ بدائع الأفكار (العراقي) ١ : ٤٢.

ـ مثلا ـ الذي هو من جنس العرض ؛ فإنّ كلاّ منهما موجود في نفسه. والفرق أنّ الجوهر موجود في نفسه لنفسه ، والعرض موجود في نفسه لغيره.

الثاني : ما يكون موجودا لا في نفسه ، كنسبة القيام إلى زيد.

والدليل على كون هذا المعنى لا في نفسه أنّه لو كان للنسب والروابط وجودات استقلاليّة للزم وجود الرابط بينها وبين موضوعاتها ، فننقل الكلام إلى ذلك الرابط ، والمفروض أنّه موجود مستقلّ ، فلا بدّ له من رابط أيضا ... وهكذا ننقل الكلام إلى هذا الرابط ، فيلزم التسلسل ، والتسلسل باطل.

فيعلم من ذلك أنّ وجود الروابط والنسب في حدّ ذاته متعلّق بالغير ، ولا حقيقة له إلاّ التعلّق بالطرفين.

ثمّ إنّ الإنسان في مقام إفادة مقاصده كما يحتاج إلى التعبير عن المعاني المستقلّة كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني غير المستقلّة في ذاتها ، فحكمة الوضع تقتضي أن توضع بإزاء كلّ من القسمين ألفاظ خاصّة ، والموضوع بإزاء المعاني المستقلّة هي الأسماء ، والموضوع بإزاء المعاني غير المستقلّة هي الحروف وما يلحق بها. وهذه المعاني غير المستقلّة لمّا كانت على أقسام شتّى فقد وضع بإزاء كلّ قسم لفظ يدلّ عليه ، أو هيئة لفظيّة تدلّ عليه ؛ مثلا إذا قيل : «نزحت البئر في دارنا بالدلو» ففيه عدّة نسب مختلفة ومعان غير مستقلّة :

إحداها : نسبة النزح إلى فاعله ، والدالّ عليها هيئة الفعل المعلوم.

وثانيتها : نسبته إلى ما وقع عليه ـ أي مفعوله ـ وهو البئر ، والدالّ عليها هيئة النصب في الكلمة.

وثالثتها : نسبته إلى المكان ، والدالّ عليها كلمة «في».

ورابعتها : نسبته إلى الآلة ، والدالّ عليها لفظ الباء في كلمة «بالدلو».

ومن هنا يعلم أنّ الدالّ على المعاني غير المستقلّة ربما يكون لفظا مستقلا ، كلفظة «من» و «إلى» و «في» ، وربما يكون هيئة في اللفظ ، كهيئات المشتقّات ، والأفعال ، وهيئات الإعراب.