درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۴۸: حقیقت شرعیه ۵

 

إلى الأصول العمليّة ، مثل قاعدة الاحتياط أو البراءة.

ومن هذا البيان تظهر ثمرة النزاع في المقام الذي نحن فيه ، فإنّه في فرض الأمر بالصلاة والشكّ في أنّ السورة ـ مثلا ـ جزء للصلاة أم لا؟

إن قلنا : إنّ الصلاة اسم للأعمّ كانت المسألة من باب الصورة الأولى ؛ لأنّه بناء على هذا القول يعلم بصدق عنوان الصلاة على المصداق الفاقد للسورة ، وإنّما الشكّ في اعتبار قيد زائد على المسمّى ، فيتمسّك حينئذ بإطلاق كلام المولى في نفي اعتبار القيد الزائد وهو كون السورة جزءا من الصلاة ، ويجوز الاكتفاء في الامتثال بفاقدها.

وإن قلنا : إنّ الصلاة اسم للصحيح كانت المسألة من باب الصورة الثانية ؛ لأنّه عند الشكّ في اعتبار السورة يشكّ في صدق عنوان المأمور به ـ أعني الصلاة ـ على المصداق الفاقد للسورة ؛ إذ عنوان المأمور به هو الصحيح ، والصحيح هو عنوان المأمور به ، فما ليس بصحيح ليس بصلاة ، فالفاقد للجزء المشكوك كما يشكّ في صحّته يشكّ في صدق عنوان المأمور به عليه ، فلا يصحّ الرجوع إلى أصالة الإطلاق لنفي اعتبار جزئيّة السورة حتّى يكتفى بفاقدها في مقام الامتثال ، بل لا بدّ من الرجوع إلى أصالة الاحتياط أو أصالة البراءة على خلاف بين العلماء في مثله ، سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى (١).

المختار في المسألة

إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات فالمختار عندنا هو الوضع للأعمّ. والدليل التبادر وعدم صحّة السلب عن الفاسد ، وهما أمارتا الحقيقة ، كما تقدّم (٢).

وهم ودفع

الوهم : قد يعترض على المختار (٣) فيقال : إنّه لا يمكن الوضع بإزاء الأعمّ ؛ لأنّ الوضع له

__________________

(١) وهو باب دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين. ولكنّ الكتاب لم ينته إليه.

(٢) راجع الصفحة : ٤١ ـ ٤٣.

(٣) والمعترض هو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٤٠ ـ ٤٢.

يستدعي أن نتصوّر معنى كلّيّا جامعا بين أفراده ومصاديقه هو الموضوع له ، كما في أسماء الأجناس. وكذلك الوضع للصحيح يستدعي تصوّر كلّيّ جامع بين مراتبه وأفراده. ولا شكّ أنّ مراتب الصلاة ـ مثلا ـ الفاسدة والصحيحة كثيرة متفاوتة ، وليس بينها قدر جامع يصحّ وضع اللفظ بإزائه.

توضيح ذلك : أنّ أيّ جزء من أجزاء الصلاة حتّى الأركان إذا فرض عدمه يصحّ صدق اسم الصلاة على الباقي ، بناء على القول بالأعمّ ، كما يصحّ صدقه مع وجوده وفقدان غيره من الأجزاء. وعليه ، يكون كلّ جزء مقوّما للصلاة عند وجوده غير مقوّم عند عدمه ، فيلزم التبدّل في حقيقة الماهيّة ، بل يلزم الترديد فيها عند وجود تمام الأجزاء ؛ لأنّ أيّ جزء منها لو فرض عدمه يبقى صدق الاسم على حاله ، وكلّ منهما ـ أي التبدّل والترديد في الحقيقة الواحدة ـ غير معقول ؛ إذ إنّ كلّ ماهيّة تفرض لا بدّ أن تكون متعيّنة في حدّ ذاتها ، وإن كانت مبهمة من جهة تشخّصاتها الفرديّة ، والتبدّل أو الترديد في ذات الماهيّة معناه إبهامها في حدّ ذاتها ، وهو مستحيل.

الدفع : أنّ هذا التبادل في الأجزاء وتكثّر مراتب الفاسدة لا يمنع من فرض قدر مشترك جامع بين الأفراد ، ولا يلزم التبدّل والترديد في ذات الحقيقة الجامعة بين الأفراد. وهذا نظير لفظ «الكلمة» الموضوع لما تركّب من حرفين فصاعدا ، ويكون الجامع بين الأفراد هو «ما تركّب من حرفين فصاعدا» ، مع أنّ الحروف كثيرة ، فربّما تتركّب الكلمة من الألف والباء ، كأب ، ويصدق عليها أنّها كلمة ، وربّما تتركّب من حرفين آخرين مثل «يد» ، ويصدق عليها أنّها كلمة ... وهكذا. فكلّ حرف يجوز أن يكون داخلا وخارجا في مختلف الكلمات ، مع صدق اسم الكلمة.

وكيفيّة تصحيح الوضع في ذلك أنّ الواضع يتصوّر أوّلا جميع الحروف الهجائيّة ، ثمّ يضع لفظ «الكلمة» بإزاء طبيعة «المركّب من اثنين فصاعدا إلى حدّ سبعة حروف» مثلا. والغرض من التقييد بقولنا : «فصاعدا» بيان أنّ الكلمة تصدق على الأكثر من حرفين ، كصدقها على المركّب من حرفين.

ولا يلزم الترديد في الماهية ؛ فإنّ الماهية الموضوع لها هي طبيعة اللفظ الكلّي المتركّب