درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۴۹: حقیقت شرعیه ۶

 

يستدعي أن نتصوّر معنى كلّيّا جامعا بين أفراده ومصاديقه هو الموضوع له ، كما في أسماء الأجناس. وكذلك الوضع للصحيح يستدعي تصوّر كلّيّ جامع بين مراتبه وأفراده. ولا شكّ أنّ مراتب الصلاة ـ مثلا ـ الفاسدة والصحيحة كثيرة متفاوتة ، وليس بينها قدر جامع يصحّ وضع اللفظ بإزائه.

توضيح ذلك : أنّ أيّ جزء من أجزاء الصلاة حتّى الأركان إذا فرض عدمه يصحّ صدق اسم الصلاة على الباقي ، بناء على القول بالأعمّ ، كما يصحّ صدقه مع وجوده وفقدان غيره من الأجزاء. وعليه ، يكون كلّ جزء مقوّما للصلاة عند وجوده غير مقوّم عند عدمه ، فيلزم التبدّل في حقيقة الماهيّة ، بل يلزم الترديد فيها عند وجود تمام الأجزاء ؛ لأنّ أيّ جزء منها لو فرض عدمه يبقى صدق الاسم على حاله ، وكلّ منهما ـ أي التبدّل والترديد في الحقيقة الواحدة ـ غير معقول ؛ إذ إنّ كلّ ماهيّة تفرض لا بدّ أن تكون متعيّنة في حدّ ذاتها ، وإن كانت مبهمة من جهة تشخّصاتها الفرديّة ، والتبدّل أو الترديد في ذات الماهيّة معناه إبهامها في حدّ ذاتها ، وهو مستحيل.

الدفع : أنّ هذا التبادل في الأجزاء وتكثّر مراتب الفاسدة لا يمنع من فرض قدر مشترك جامع بين الأفراد ، ولا يلزم التبدّل والترديد في ذات الحقيقة الجامعة بين الأفراد. وهذا نظير لفظ «الكلمة» الموضوع لما تركّب من حرفين فصاعدا ، ويكون الجامع بين الأفراد هو «ما تركّب من حرفين فصاعدا» ، مع أنّ الحروف كثيرة ، فربّما تتركّب الكلمة من الألف والباء ، كأب ، ويصدق عليها أنّها كلمة ، وربّما تتركّب من حرفين آخرين مثل «يد» ، ويصدق عليها أنّها كلمة ... وهكذا. فكلّ حرف يجوز أن يكون داخلا وخارجا في مختلف الكلمات ، مع صدق اسم الكلمة.

وكيفيّة تصحيح الوضع في ذلك أنّ الواضع يتصوّر أوّلا جميع الحروف الهجائيّة ، ثمّ يضع لفظ «الكلمة» بإزاء طبيعة «المركّب من اثنين فصاعدا إلى حدّ سبعة حروف» مثلا. والغرض من التقييد بقولنا : «فصاعدا» بيان أنّ الكلمة تصدق على الأكثر من حرفين ، كصدقها على المركّب من حرفين.

ولا يلزم الترديد في الماهية ؛ فإنّ الماهية الموضوع لها هي طبيعة اللفظ الكلّي المتركّب

من حرفين فصاعدا ، والتبدّل والترديد إنّما يكون في أجزاء أفرادها. وقد يسمّى ذلك : «الكلّيّ في المعيّن» أو «الكلّيّ المحصور في أجزاء معيّنة». وفي المثال أجزاؤه المعيّنة هي الحروف الهجائيّة كلّها.

وعلى هذا فينبغي أن يقاس لفظ «الصلاة» ـ مثلا ـ ، فإنّه يمكن تصوّر جميع أجزاء الصلاة في مراتبها كلّها ، وهي ـ أي هذه الأجزاء ـ معيّنة معروفة ، كالحروف الهجائيّة ، فيضع اللفظ بإزاء طبيعة «العمل المركّب من خمسة أجزاء منها ـ مثلا ـ فصاعدا» ، فعند وجود تمام الأجزاء يصدق على المركّب أنّه صلاة ، وعند وجود بعضها ـ ولو خمسة على أقلّ تقدير على الفرض ـ يصدق اسم الصلاة أيضا.

بل الحقّ أنّ الذي لا يمكن تصوّر الجامع فيه هو خصوص المراتب الصحيحة ، وهذا المختصر لا يسع تفصيل ذلك.

تنبيهان

١. لا يجري النزاع في المعاملات بمعنى المسبّبات

إنّ ألفاظ المعاملات ، كالبيع والنكاح ، والإيقاعات ، كالطلاق والعتق ، يمكن تصوير وضعها على أحد نحوين :

١. أن تكون موضوعة للأسباب التي تسبّب مثل الملكيّة والزوجيّة والفراق والحرّية ونحوها. ونعني بالسبب إنشاء العقد والإيقاع ، كالإيجاب والقبول معا في العقود ، والإيجاب فقط في الإيقاعات. وإذا كانت كذلك فالنزاع المتقدّم يصحّ أن نفرضه في ألفاظ المعاملات من كونها أسامي لخصوص الصحيحة ـ أعني تامّة الأجزاء والشرائط المؤثّرة في المسبّب ـ أو للأعمّ من الصحيحة والفاسدة. ونعني بالفاسدة ما لا يؤثّر في المسبّب إمّا لفقدان جزء أو شرط.

٢. أن تكون موضوعة للمسبّبات ، ونعني بالمسبّب نفس الملكيّة والزوجيّة والفراق والحرّية ونحوها. وعلى هذا فالنزاع المتقدّم لا يصحّ فرضه في المعاملات ؛ لأنّها لا تتّصف بالصحّة والفساد ؛ لكونها بسيطة غير مركّبة من أجزاء وشرائط ، بل إنّما تتّصف بالوجود