المقصد الأوّل
مباحث الألفاظ
المقصد الأوّل
مباحث الألفاظ
تمهيد
المقصود من «مباحث الألفاظ» ، تشخيص ظهور الألفاظ من ناحية عامّة ، إمّا بالوضع ، أو بإطلاق الكلام ، لتكون نتيجتها قواعد كلّيّة تنقّح صغريات أصالة الظهور التي سنبحث عن حجيّتها في المقصد الثالث. وقد سبقت الإشارة إليها (١).
وتلك المباحث تقع في هيئات الكلام التي يقع فيها الشكّ والنزاع ، سواء كانت هيئات المفردات ، كهيئة المشتقّ والأمر والنهي ، أو هيئات الجمل ، كالمفاهيم ونحوها.
أمّا البحث عن موادّ الألفاظ الخاصّة ، وبيان وضعها وظهورها ـ مع أنّها تنقّح أيضا صغريات أصالة الظهور ـ : فإنّه لا يمكن ضبط قاعدة كلّيّة عامّة فيها. فلذا لا يبحث عنها في علم الأصول ، ومعاجم اللغة ونحوها هي المتكفّلة بتشخيص مفرداتها.
وعلى أيّ حال ، فنحن نعقد «مباحث الألفاظ» في سبعة أبواب :
١. المشتق
٢. الأوامر
٣. النواهي
٤. المفاهيم
٥. العامّ والخاصّ
٦. المطلق والمقيّد
٧. المجمل والمبيّن
__________________
(١) راجع الصفحة : ٤٩.
الباب الأوّل
المشتقّ
اختلف الأصوليون من القديم في المشتقّ في أنّه حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدإ في الحال ومجاز فيما انقضى عنه التلبّس ، أو أنّه حقيقة في كليهما ، بمعنى أنّه موضوع للأعمّ منهما (١)؟
بعد اتّفاقهم على أنّه مجاز فيما يتلبّس بالمبدإ في المستقبل.
ـ ذهب الأشاعرة (٢) وجماعة من المتأخّرين من أصحابنا إلى الأوّل (٣).
__________________
(١) في قوله : «بمعنى أنّه موضوع للأعمّ منهما» اشارة إلى الخلاف الواقع بين الأصوليّين من أنّ النزاع في المشتقّ هل هو في أمر لغويّ ـ أي في كيفيّة وضع الواضع ـ أو في أمر عقليّ ـ أى في صحّة اطلاقه ـ؟. فذهب الأكثر إلى الأوّل. ومنهم المصنّف رحمهالله هاهنا ، حيث قال : «بمعنى أنّه موضوع ...» فالنزاع في أنّه هل الواضع وضع هيئة المشتقّ لخصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال أو الأعمّ منه وممّا انقضى عنه المبدأ؟
ونسب القول الثاني إلى المحقّق الطهرانيّ. فراجع نهاية الدراية ١ : ١١٣.
(٢) وفي جميع النسخ المطبوعة «ذهب المعتزلة» ، كما كان الموجود في جميعها في السطر الآتي أيضا «ذهب الأشاعرة» ، فجاء «المعتزلة» مكان «الاشاعرة» وبالعكس.
والصواب ما أثبتناه في المتن ؛ فإنّ الأشاعرة ذهبت إلى أنّه حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال ، والمعتزلة ذهبت إلى أنّه حقيقة فيه وفيما انقضى عنه المبدأ ، كما في نهاية السئول ٢ : ٨٢ ، إرشاد الفحول : ١٨ ، بدائع الأفكار (الرشتى) : ١٨٠ ، كفاية الأصول : ٦٤.
(٣) منهم : صاحب القوانين ، والمجدّد الشيرازيّ ، والمحقّق الخراسانيّ والمحقّق النائينيّ ، والعلاّمة العراقيّ. راجع قوانين الأصول ١ : ٧٦ ؛ تقريرات المجدّد الشيرازيّ ١ : ٢٦٣ ؛ كفاية الأصول : ٦٤ ؛ فوائد الأصول ١ : ١٢٠ ؛ نهاية الأفكار ١ : ١٣٥.
ـ وذهب المعتزلة وجماعة من المتقدّمين من أصحابنا إلى الثاني (١).
والحقّ هو القول الأوّل. وللعلماء أقوال أخر فيها تفصيلات بين هذين القولين لا يهمّنا التعرّض لها (٢) بعد اتّضاح الحقّ فيما يأتي.
وأهمّ شيء يعنينا في هذه المسألة ـ قبل بيان الحقّ فيها وهو أصعب ما فيها ـ أن نفهم محلّ النزاع وموضع النفي والإثبات. ولأجل أن يتّضح في الجملة موضع الخلاف نذكر مثالا له ، فنقول :
إنّه ورد كراهة الوضوء والغسل بالماء المسخن بالشمس ، فمن قال بالأوّل فلا بدّ ألاّ يقول بكراهتهما بالماء الذي برد وانقضى عنه التلبّس ؛ لأنّه عنده لا يصدق عليه حينئذ أنّه مسخن بالشمس ، بل كان مسخنا. ومن قال بالثاني فلا بدّ أن يقول بكراهتهما بالماء حال انقضاء التلبّس أيضا ؛ لأنّه عنده يصدق عليه أنّه مسخن حقيقة بلا مجاز.
ولتوضيح ذلك نذكر الآن أربعة أمور مذلّلة لتلك الصعوبة ، ثمّ نذكر القول المختار ودليله.
١. ما المراد من المشتقّ المبحوث عنه؟
اعلم أنّ «المشتقّ» باصطلاح النحاة ما يقابل الجامد ، ومرادهم واضح (٣). ولكن ليس هو (٤) موضع النزاع هنا ، بل بين المشتقّ بمصطلح النحويّين وبين المشتقّ المبحوث عنه عموم وخصوص من وجه ؛ لأنّ موضع النزاع هنا يشمل كلّ ما يحمل على الذات باعتبار قيام صفة فيها ، خارجة عنها ، تزول عنها وإن كان باصطلاح النحاة معدودا من الجوامد ، كلفظ الزوج والأخ والرقّ ونحو ذلك. ومن جهة أخرى لا يشمل الفعل بأقسامه ولا المصدر وإن كانت تسمّى مشتقّات عند النحويّين.
__________________
(١) ذهب إليه في مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ٦٧ ، رسائل المحقّق الكركي ٢ : ٨٢ ؛ زبدة الأصول : ٣٣ ؛ إيضاح الفوائد ٣ : ٥٢.
(٢) وإن شئت فراجع الفصول الغرويّة : ٥٩.
(٣) وهو ما يؤخذ من لفظ آخر مع اشتماله على حروفه وموافقته معه في الترتيب.
(٤) أي المشتقّ عند النجاة على إطلاقه.