درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۵۳: مشتق ۱

 

ـ وذهب المعتزلة وجماعة من المتقدّمين من أصحابنا إلى الثاني (١).

والحقّ هو القول الأوّل. وللعلماء أقوال أخر فيها تفصيلات بين هذين القولين لا يهمّنا التعرّض لها (٢) بعد اتّضاح الحقّ فيما يأتي.

وأهمّ شيء يعنينا في هذه المسألة ـ قبل بيان الحقّ فيها وهو أصعب ما فيها ـ أن نفهم محلّ النزاع وموضع النفي والإثبات. ولأجل أن يتّضح في الجملة موضع الخلاف نذكر مثالا له ، فنقول :

إنّه ورد كراهة الوضوء والغسل بالماء المسخن بالشمس ، فمن قال بالأوّل فلا بدّ ألاّ يقول بكراهتهما بالماء الذي برد وانقضى عنه التلبّس ؛ لأنّه عنده لا يصدق عليه حينئذ أنّه مسخن بالشمس ، بل كان مسخنا. ومن قال بالثاني فلا بدّ أن يقول بكراهتهما بالماء حال انقضاء التلبّس أيضا ؛ لأنّه عنده يصدق عليه أنّه مسخن حقيقة بلا مجاز.

ولتوضيح ذلك نذكر الآن أربعة أمور مذلّلة لتلك الصعوبة ، ثمّ نذكر القول المختار ودليله.

١. ما المراد من المشتقّ المبحوث عنه؟

اعلم أنّ «المشتقّ» باصطلاح النحاة ما يقابل الجامد ، ومرادهم واضح (٣). ولكن ليس هو (٤) موضع النزاع هنا ، بل بين المشتقّ بمصطلح النحويّين وبين المشتقّ المبحوث عنه عموم وخصوص من وجه ؛ لأنّ موضع النزاع هنا يشمل كلّ ما يحمل على الذات باعتبار قيام صفة فيها ، خارجة عنها ، تزول عنها وإن كان باصطلاح النحاة معدودا من الجوامد ، كلفظ الزوج والأخ والرقّ ونحو ذلك. ومن جهة أخرى لا يشمل الفعل بأقسامه ولا المصدر وإن كانت تسمّى مشتقّات عند النحويّين.

__________________

(١) ذهب إليه في مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ٦٧ ، رسائل المحقّق الكركي ٢ : ٨٢ ؛ زبدة الأصول : ٣٣ ؛ إيضاح الفوائد ٣ : ٥٢.

(٢) وإن شئت فراجع الفصول الغرويّة : ٥٩.

(٣) وهو ما يؤخذ من لفظ آخر مع اشتماله على حروفه وموافقته معه في الترتيب.

(٤) أي المشتقّ عند النجاة على إطلاقه.

والسرّ في ذلك أنّ موضع النزاع هنا يعتبر فيه شيئان :

١. أن يكون جاريا على الذات ، بمعنى أنّه يكون حاكيا عنها وعنوانا لها ، نحو اسم الفاعل ، واسم المفعول ، وأسماء المكان والآلة وغيرهما ، وما شابه هذه الأمور من الجوامد. ومن أجل هذا الشرط لا يشمل هذا النزاع الأفعال ولا المصادر ؛ لأنّها كلّها لا تحكي عن الذات ولا تكون عنوانا لها ، وإن كانت تسند إليها.

٢. ألاّ تزول الذات بزوال تلبّسها بالصفة ـ ونعني بالصفة المبدأ الذي منه يكون انتزاع المشتقّ واشتقاقه ، ويصحّ صدقه على الذات ـ بمعنى أن تكون الذات باقية محفوظة لو زال تلبّسها بالصفة ، فهي تتلبّس بها تارة ولا تتلبّس بها أخرى ، والذات تلك الذات في كلا الحالين.

وإنّما نشترط ذلك لأجل أن نتعقّل انقضاء التلبّس بالمبدإ مع بقاء الذات حتّى يصحّ أن نتنازع في صدق المشتقّ حقيقة عليها مع انقضاء حال التلبّس بعد الاتّفاق على صدقه حقيقة عليها حال التلبّس ، وإلاّ لو كانت الذات تزول بزوال التلبّس لا يبقى معنى لفرض صدق المشتقّ على الذات مع انقضاء حال التلبّس ، لا حقيقة ولا مجازا.

وعلى هذا ، لو كان المشتقّ من الأوصاف التي تزول الذات بزوال التلبّس بمبادئها ، فلا يدخل في محلّ النزاع ، وإن صدق عليها اسم المشتقّ ، مثل ما لو كان من الأنواع أو الأجناس أو الفصول بالقياس إلى الذات ، كالناطق والصاهل والحسّاس والمتحرّك بالإرادة.

واعتبر ذلك في مثال كراهة الجلوس للتغوّط تحت الشجرة المثمرة ، فإنّ هذا المثال يدخل في محلّ النزاع لو زالت الثمرة عن الشجرة ، فيقال : هل يبقى اسم «المثمرة» صادقا حقيقة عليها حينئذ فيكره الجلوس أو لا؟ أمّا : لو اجتثّت الشجرة فصارت خشبة فإنّها لا تدخل في محلّ النزاع ؛ لأنّ الذات ـ وهي «الشجرة» ـ قد زالت بزوال الوصف الداخل في حقيقتها ، فلا يتعقّل معه بقاء وصف الشجرة المثمرة لها ، لا حقيقة ولا مجازا. وأمّا الخشب : فهو ذات أخرى لم يكن فيما مضى قد صدق عليه ـ بما أنّه خشب ـ وصف الشجرة المثمرة حقيقة ؛ إذ لم يكن متلبّسا ـ بما هو خشب ـ بالشجرة ثمّ زال عنه التلبّس.