درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۰: ماده امر ۲

 

والمراد من الطلب إظهار الإرادة والرغبة بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو نحو هذه الأمور ممّا يصحّ إظهار الإرادة والرغبة وإبرازهما به (١) ، فمجرّد الإرادة والرغبة من دون إظهارها بمظهر لا يسمّى طلبا. والظاهر أنّه ليس كلّ طلب يسمّى أمرا ، بل بشرط مخصوص (٢) سيأتي ذكره في المسألة الثانية ، فتفسير «الأمر» بالطلب من باب تعريف الشيء بالأعمّ.

والمراد من الشيء من لفظ «الأمر» أيضا ليس كلّ شيء على الإطلاق ، فيكون تفسيره به من باب تعريف الشيء بالأعمّ أيضا ؛ فإنّ الشيء لا يقال له : «أمر» إلاّ إذا كان من الأفعال والصفات ، ولذا لا يقال : «رأيت أمرا» إذا رأيت إنسانا أو شجرا أو حائطا. ولكن ليس المراد من الفعل والصفة المعنى الحدثيّ ـ أي المعنى المصدريّ ـ ، بل المراد منه نفس الفعل أو الصفة بما هو موجود في نفسه ، ـ يعني لم يلاحظ فيه جهة الصدور من الفاعل والإيجاد وهو المعبّر عنه عند بعضهم بالمعنى الاسم المصدريّ ، أي ما يدلّ عليه اسم المصدر ـ. ولذا لا يشتقّ منه ، فلا يقال : (أمر. يأمر. آمر. مأمور) بالمعنى المأخوذ من الشيء ، ولو كان معنى حدثيّا ، لاشتقّ منه.

بخلاف الأمر بمعنى الطلب ، فإنّ المقصود منه المعنى الحدثيّ وجهة الصدور والإيجاد ، ولذا يشتقّ منه فيقال : (أمر. يأمر. آمر. مأمور).

والدليل على أنّ لفظ الأمر مشترك بين معنيين : الطلب والشيء ، لا أنّه موضوع للجامع بينهما :

١. إنّ «الأمر» ـ كما تقدّم ـ بمعنى الطلب يصحّ الاشتقاق منه ، ولا يصحّ الاشتقاق منه بمعنى الشيء ؛ والاختلاف بالاشتقاق وعدمه دليل على تعدّد الوضع.

__________________

(١) والظاهر أنّ تفسير بعض الأصوليّين * للفظ الأمر بأنّه «الطلب بالقول» ليس القصد منه أنّ لهم اصطلاحا مخصوصا فيه ، بل باعتبار أنّه أحد مصاديق المعنى ؛ فإنّ الأمر كما يصدق على الطلب بالقول يصدق على الطلب بالكتابة أو الإشارة أو نحوهما. ـ منه رحمه‌الله ـ

(٢) وهو اعتبار العلوّ في الآمر.

__________________

* وهو المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٨١.

٢. إنّ «الأمر» بمعنى الطلب يجمع على «أوامر» وبمعنى الشيء على «أمور» ؛ واختلاف الجمع في المعنيين دليل على تعدّد الوضع.

٢. اعتبار العلوّ في معنى الأمر

قد سبق أنّ الأمر يكون بمعنى الطلب ، ولكن لا مطلقا بل بمعنى طلب مخصوص. والظاهر أنّ الطلب المخصوص هو الطلب من العالي إلى الداني ، فيعتبر فيه العلوّ في الآمر.

وعليه ، لا يسمّى الطلب من الداني إلى العالي «أمرا» ، بل يسمّى «استدعاء». وكذا لا يسمّى الطلب من المساوي إلى مساويه في العلوّ أو الحطّة (١) «أمرا» ، بل يسمّى «التماسا» ، وإن استعلى الداني أو المساوي وأظهر علوّه وترفّعه وليس هو بعال حقيقة.

أمّا العالي فطلبه يكون أمرا وإن لم يكن متظاهرا بالعلوّ (٢).

كلّ هذا بحكم التبادر وصحّة سلب الأمر عن طلب غير العالي ، ولا يصحّ إطلاق الأمر على الطلب من غير العالي إلاّ بنحو العناية والمجاز وإن استعلى.

٣. دلالة لفظ الأمر على الوجوب

اختلفوا في دلالة لفظ «الأمر» بمعنى الطلب على الوجوب ، فقيل : إنّه موضوع لخصوص الطلب الوجوبيّ (٣). وقيل : للأعمّ منه ومن الطلب الندبيّ (٤). وقيل : مشترك بينهما اشتراكا لفظيّا (٥). وقيل : غير ذلك (٦).

__________________

(١) الحطّة أي النزول.

(٢) فالمعتبر في صدق الأمر هو علوّ الآمر ، خلافا لما يظهر من قوانين الأصول ١ : ٨١ ، فإنّه اعتبر الاستعلاء والعلوّ في الآمر.

(٣) ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٨٣.

(٤) والقائل هو المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ١٦٠. والمراد منه أنّ الأمر حقيقة في مطلق الطلب الجامع بين الوجوبيّ والندبىّ.

(٥) لم أعثر على قائله. نعم ، ذهب السيّد المرتضى ـ على ما في الفصول : ٦٤ ، وقوانين الأصول ١ : ٨٣ ـ إلى أنّ صيغة «افعل» مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكا لفظيّا.

(٦) راجع فوائد الأصول ١ : ١٢٩.

والحقّ عندنا أنّه دالّ على الوجوب وظاهر فيه ، فيما إذا كان مجرّدا وعاريا عن قرينة على الاستحباب. واحراز هذا الظهور بهذا المقدار كاف في صحّة استنباط الوجوب من الدليل الذي يتضمّن كلمة «الأمر» ، ولا يحتاج إلى إثبات [أنّ] منشأ هذا الظهور هل هو الوضع أو شيء آخر؟

ولكن من ناحية علميّة صرفة يحسن أن نفهم منشأ هذا الظهور ، فقد قيل : إنّ معنى الوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ «الأمر» (١). وقيل : مأخوذ قيدا في المستعمل فيه إن لم يكن مأخوذا في الموضوع له (٢).

والحقّ أنّه ليس قيدا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه ، بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل بوجوب طاعة الآمر ؛ فإنّ العقل يستقلّ بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره ؛ قضاء لحقّ المولويّة والعبوديّة ، فبمجرّد بعث المولى يجد العقل أنّه لا بدّ للعبد من الطاعة والانبعاث ما لم يرخّص في تركه ويأذن في مخالفته. فليس المدلول للفظ «الأمر» إلاّ الطلب من العالي ، ولكنّ العقل هو الذي يلزم العبد بالانبعاث ويوجب عليه الطاعة لأمر المولى ما لم يصرّح المولى بالترخيص ويأذن بالترك (٣).

وعليه ، فلا يكون استعماله في موارد الندب مغايرا لاستعماله في موارد الوجوب من جهة المعنى المستعمل فيه اللفظ. فليس هو موضوعا للوجوب ، بل ولا موضوعا للأعمّ من الوجوب والندب ؛ لأنّ الوجوب والندب ليسا من التقسيمات اللاحقة للمعنى المستعمل فيه اللفظ ، بل من التقسيمات اللاحقة للأمر بعد استعماله في معناه الموضوع له.

__________________

(١) كما هو الظاهر من كفاية الأصول : ٨٣.

(٢) وهذا يظهر من هداية المسترشدين : ١٣٩.

(٣) هكذا أفاد المحقّق النائينيّ فى طريق استفادة الوجوب من الصيغة. وتبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ في المحاضرات. فراجع فوائد الأصول ١ : ١٣٦ ـ ١٣٧ ، والمحاضرات ٢ : ١٣١.