درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۱: ماده امر ۳

 

والحقّ عندنا أنّه دالّ على الوجوب وظاهر فيه ، فيما إذا كان مجرّدا وعاريا عن قرينة على الاستحباب. واحراز هذا الظهور بهذا المقدار كاف في صحّة استنباط الوجوب من الدليل الذي يتضمّن كلمة «الأمر» ، ولا يحتاج إلى إثبات [أنّ] منشأ هذا الظهور هل هو الوضع أو شيء آخر؟

ولكن من ناحية علميّة صرفة يحسن أن نفهم منشأ هذا الظهور ، فقد قيل : إنّ معنى الوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ «الأمر» (١). وقيل : مأخوذ قيدا في المستعمل فيه إن لم يكن مأخوذا في الموضوع له (٢).

والحقّ أنّه ليس قيدا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه ، بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل بوجوب طاعة الآمر ؛ فإنّ العقل يستقلّ بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره ؛ قضاء لحقّ المولويّة والعبوديّة ، فبمجرّد بعث المولى يجد العقل أنّه لا بدّ للعبد من الطاعة والانبعاث ما لم يرخّص في تركه ويأذن في مخالفته. فليس المدلول للفظ «الأمر» إلاّ الطلب من العالي ، ولكنّ العقل هو الذي يلزم العبد بالانبعاث ويوجب عليه الطاعة لأمر المولى ما لم يصرّح المولى بالترخيص ويأذن بالترك (٣).

وعليه ، فلا يكون استعماله في موارد الندب مغايرا لاستعماله في موارد الوجوب من جهة المعنى المستعمل فيه اللفظ. فليس هو موضوعا للوجوب ، بل ولا موضوعا للأعمّ من الوجوب والندب ؛ لأنّ الوجوب والندب ليسا من التقسيمات اللاحقة للمعنى المستعمل فيه اللفظ ، بل من التقسيمات اللاحقة للأمر بعد استعماله في معناه الموضوع له.

__________________

(١) كما هو الظاهر من كفاية الأصول : ٨٣.

(٢) وهذا يظهر من هداية المسترشدين : ١٣٩.

(٣) هكذا أفاد المحقّق النائينيّ فى طريق استفادة الوجوب من الصيغة. وتبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ في المحاضرات. فراجع فوائد الأصول ١ : ١٣٦ ـ ١٣٧ ، والمحاضرات ٢ : ١٣١.

تمرينات (٨)

١. ما معنى الأمر بمادّته؟

٢. ما الدليل على أنّ لفظ «الأمر» مشترك بين الطلب والشيء؟

٣. هل يعتبر العلوّ في معنى الأمر؟

٤. ما هي الأقوال في مدلول لفظ الأمر؟

٥. ما هو منشأ ظهور لفظ الأمر في الوجوب؟

المبحث الثاني : صيغة الأمر

١. معنى صيغة الأمر

صيغة الأمر ـ أي هيئته ـ ، كصيغة «افعل» ونحوها (١) تستعمل في موارد كثيرة :

منها : البعث ، كقوله (تعالى) : ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٢) ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣).

ومنها : التهديد ، كقوله (تعالى) : ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (٤).

ومنها : التعجيز ، كقوله (تعالى) : ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٥).

وغير ذلك من التسخير (٦) ، والإنذار (٧) ، والترجّي والتمنّي (٨) ، ونحوها (٩). ولكنّ الظاهر أنّ الهيئة في جميع هذه المعاني استعملت في معنى واحد ، لكن ليس هو واحدا من هذه المعاني ؛ لأنّ الهيئة مثل «افعل» شأنها شأن الهيئات الأخرى وضعت لإفادة نسبة خاصّة كالحروف ، ولم توضع لإفادة معان مستقلّة ، فلا يصحّ أن يراد منها مفاهيم هذه المعاني المذكورة التي هي معان اسميّة.

وعليه ، فالحقّ أنّها موضوعة للنسبة الخاصّة القائمة بين المتكلّم والمخاطب والمادّة ، والمقصود من المادّة الحدث الذي وقع عليه مفاد الهيئة ، مثل الضرب والقيام والقعود في «اضرب» و «قم» و «اقعد» ونحو ذلك. وحينئذ ينتزع منها عنوان طالب

__________________

(١) المقصود بنحو صيغة «افعل» أيّة صيغة وكلمة تؤدّي مؤدّاها في الدلالة على الطلب والبعث ، كالفعل المضارع المقرون بلام الأمر أو المجرّد منه إذا قصد به إنشاء الطلب نحو قولنا : «تصلّي. تغتسل. أطلب منك كذا» أو جملة اسميّة نحو : «هذا مطلوب منك» أو اسم فعل نحو : «صه ومه ومهلا» وغير ذلك ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) النساء (٤) : الآية ١٠٣ ؛ الحجّ (٢٢) : الآية ٧٨ ؛ المجادلة (٥٨) : الآية ١٣.

(٣) المائدة (٥) : الآية ١.

(٤) فصّلت (٤) : الآية ٤٠.

(٥) البقرة (٢) : الآية ٢٣.

(٦) كقوله (تعالى) : ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ البقرة (٢) الآية : ٦٥ ؛ فإنّ مخاطبتهم بذلك في معرض تذليلهم.

(٧) كقوله (تعالى) : ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ الزمر (٣٩) الآية : ٨.

(٨) كقول الشاعر : «ألا أيّها الليل الطويل ألا انجل» ديوان امرئ القيس : ٤٩.

(٩) كالاستعانة والتكذيب والمشورة والتعجّب والاحتقار والدعاء والإهانة والتسوية.

ومطلوب منه ومطلوب.

فقولنا : «اضرب» ، يدلّ على النسبة الطلبيّة بين الضرب والمتكلّم والمخاطب ، ومعنى ذلك جعل الضرب على عهدة المخاطب ، وبعثه نحوه وتحريكه إليه ، وجعل الداعي في نفسه للفعل.

وعلى هذا ، فمدلول هيئة الأمر ومفادها هو النسبة الطلبيّة ، وإن شئت فسمّها : «النسبة البعثيّة (١)» ؛ لغرض إبراز جعل المأمور به ـ أي المطلوب ـ في عهدة المخاطب ، وجعل الداعي في نفسه ، وتحريكه وبعثه نحوه ، ما شئت فعبّر ، غير أنّ هذا الجعل أو الإنشاء يختلف فيه الداعي له من قبل المتكلّم ، فتارة ، يكون الداعي له هو البعث الحقيقيّ وجعل الداعي في نفس المخاطب لفعل المأمور به ، فيكون هذا الإنشاء حينئذ مصداقا للبعث والتحريك وجعل الداعي ، أو إن شئت فقل : يكون مصداقا للطلب ، فإنّ المقصود واحد. وأخرى يكون الداعي له هو التهديد ، فيكون مصداقا للتهديد ، ويكون تهديدا بالحمل الشائع. وثالثة يكون الداعي له هو التعجيز ، فيكون مصداقا للتعجيز وتعجيزا بالحمل الشائع ... وهكذا في باقي المعاني المذكورة وغيرها.

وإلى هنا يتجلّى ما نريد أن نوضحه ؛ فإنّا نريد أن نقول بنصّ العبارة إنّ البعث أو التهديد أو التعجيز أو نحوها ليست هي معاني لهيئة الأمر قد استعملت في مفاهيمها ـ كما ظنّه القوم ـ لا معاني حقيقيّة ولا مجازية ؛ بل الحقّ أنّ المنشأ بها ليس إلاّ النسبة الطلبيّة الخاصّة ، وهذا الإنشاء يكون مصداقا لأحد هذه الأمور باختلاف الدواعي ، فيكون تارة بعثا بالحمل الشائع ، وأخرى تهديدا بالحمل الشائع وهكذا. لا أنّ هذه المفاهيم مدلولة للهيئة ومنشأة بها حتّى مفهوم البعث والطلب.

والاختلاط في الوهم بين المفهوم والمصداق هو الذي جعل أولئك يظنّون أنّ هذه الأمور مفاهيم لهيئة الأمر وقد استعملت فيها استعمال اللفظ في معناه ، حتّى اختلفوا في أنّه أيّها المعنى الحقيقيّ الموضوع له الهيئة ، وأيّها المعنى المجازيّ؟

__________________

(١) وقد يقال لها : «النسبة الإرساليّة» كما في نهاية الأفكار ١ : ١٧٨ ، أو يقال لها : «النسبة الإيقاعيّة» كما في فوائد الأصول ١ : ١٢٩.