درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۲: صیغه امر ۱

 

ومطلوب منه ومطلوب.

فقولنا : «اضرب» ، يدلّ على النسبة الطلبيّة بين الضرب والمتكلّم والمخاطب ، ومعنى ذلك جعل الضرب على عهدة المخاطب ، وبعثه نحوه وتحريكه إليه ، وجعل الداعي في نفسه للفعل.

وعلى هذا ، فمدلول هيئة الأمر ومفادها هو النسبة الطلبيّة ، وإن شئت فسمّها : «النسبة البعثيّة (١)» ؛ لغرض إبراز جعل المأمور به ـ أي المطلوب ـ في عهدة المخاطب ، وجعل الداعي في نفسه ، وتحريكه وبعثه نحوه ، ما شئت فعبّر ، غير أنّ هذا الجعل أو الإنشاء يختلف فيه الداعي له من قبل المتكلّم ، فتارة ، يكون الداعي له هو البعث الحقيقيّ وجعل الداعي في نفس المخاطب لفعل المأمور به ، فيكون هذا الإنشاء حينئذ مصداقا للبعث والتحريك وجعل الداعي ، أو إن شئت فقل : يكون مصداقا للطلب ، فإنّ المقصود واحد. وأخرى يكون الداعي له هو التهديد ، فيكون مصداقا للتهديد ، ويكون تهديدا بالحمل الشائع. وثالثة يكون الداعي له هو التعجيز ، فيكون مصداقا للتعجيز وتعجيزا بالحمل الشائع ... وهكذا في باقي المعاني المذكورة وغيرها.

وإلى هنا يتجلّى ما نريد أن نوضحه ؛ فإنّا نريد أن نقول بنصّ العبارة إنّ البعث أو التهديد أو التعجيز أو نحوها ليست هي معاني لهيئة الأمر قد استعملت في مفاهيمها ـ كما ظنّه القوم ـ لا معاني حقيقيّة ولا مجازية ؛ بل الحقّ أنّ المنشأ بها ليس إلاّ النسبة الطلبيّة الخاصّة ، وهذا الإنشاء يكون مصداقا لأحد هذه الأمور باختلاف الدواعي ، فيكون تارة بعثا بالحمل الشائع ، وأخرى تهديدا بالحمل الشائع وهكذا. لا أنّ هذه المفاهيم مدلولة للهيئة ومنشأة بها حتّى مفهوم البعث والطلب.

والاختلاط في الوهم بين المفهوم والمصداق هو الذي جعل أولئك يظنّون أنّ هذه الأمور مفاهيم لهيئة الأمر وقد استعملت فيها استعمال اللفظ في معناه ، حتّى اختلفوا في أنّه أيّها المعنى الحقيقيّ الموضوع له الهيئة ، وأيّها المعنى المجازيّ؟

__________________

(١) وقد يقال لها : «النسبة الإرساليّة» كما في نهاية الأفكار ١ : ١٧٨ ، أو يقال لها : «النسبة الإيقاعيّة» كما في فوائد الأصول ١ : ١٢٩.

٢. ظهور الصيغة في الوجوب

اختلف الأصوليون في ظهور صيغة الأمر في الوجوب وفي كيفيّته على أقوال. والخلاف يشمل صيغة «افعل» وما شابهها وما بمعناها من صيغ الأمر.

والأقوال في المسألة كثيرة (١) ، وأهمّها قولان : أحدهما : أنّها ظاهرة في الوجوب ، إمّا لكونها موضوعة له (٢) ، أو من جهة انصراف الطلب إلى أكمل الأفراد (٣). ثانيهما : أنّها حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب ، وهو ـ أي القدر المشترك ـ مطلق الطلب الشامل لهما من دون أن تكون ظاهرة في أحدهما (٤).

والحقّ أنّها ظاهرة في الوجوب ، ولكن لا من جهة كونها موضوعة للوجوب ، ولا من جهة كونها موضوعة لمطلق الطلب ، وأنّ الوجوب أظهر أفراده.

وشأنها في ظهورها في الوجوب شأن مادّة الأمر على ما تقدّم هناك ، من أنّ الوجوب يستفاد من حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى ووجوب الانبعاث عن بعثه ؛ قضاء لحقّ المولويّة والعبوديّة ، ما لم يرخّص نفس المولى بالترك ، ويأذن به. وبدون الترخيص فالأمر ـ لو خلّي وطبعه ـ شأنه أن يكون من مصاديق حكم العقل بوجوب الطاعة.

فيكون الظهور هذا ليس من نحو الظهورات اللفظيّة ، ولا الدلالة هذه على الوجوب من نوع الدلالات الكلاميّة ؛ إذ صيغة الأمر ـ كمادّة الأمر ـ لا تستعمل في مفهوم الوجوب لا استعمالا حقيقيّا ولا مجازيّا ؛ لأنّ الوجوب كالندب أمر خارج عن حقيقة مدلولها ولا من كيفيّاته وأحواله. وتمتاز الصيغة عن مادّة كلمة الأمر أنّ الصيغة لا تدلّ إلاّ على النسبة الطلبيّة كما تقدّم ، فهي بطريق أولى لا تصلح للدلالة على الوجوب الذي هو مفهوم

__________________

(١) ذكر بعضها صاحب المعالم في معالم الدين : ٤٨ ـ ٤٩ ، فراجع.

(٢) ذهب إليه صاحب القوانين ونسبه إلى المشهور ، كما ذهب إليه صاحب المعالم ونسبه إلى الجمهور. وذهب إليه أيضا المحقّق الخراسانيّ. فراجع قوانين الأصول ١ : ٨٣ ؛ معالم الدين : ٤٨ ؛ كفاية الأصول : ٩٢.

(٣) ذهب إليه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٦٤. واختاره المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ١٦٢ و ١٧٨ ـ ١٨٠ ، وبدائع الأفكار ١ : ٢١٤.

(٤) ذهب إليه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٥١.

اسميّ ، وكذا الندب.

وعلى هذا ، فالمستعمل فيه الصيغة ـ على كلا الحالين : الوجوب والندب ـ واحد لا اختلاف فيه. واستفادة الوجوب ـ على تقدير تجرّدها عن القرينة على إذن الآمر بالترك ـ إنّما هي بحكم العقل كما قلنا ؛ إذ هو من لوازم صدور الأمر من المولى (١).

ويشهد لما ذكرناه ـ من كون المستعمل فيه واحدا في مورد الوجوب والندب ـ ما جاء في كثير من الأحاديث من الجمع بين الواجبات والمندوبات بصيغة واحدة ، وأمر واحد ، وأسلوب واحد مع تعدّد الأمر ؛ ولو كان الوجوب والندب من قبيل المعنيين للصيغة لكان ذلك في الأغلب من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى وهو مستحيل ، أو تأويله (٢) بإرادة مطلق الطلب البعيد إرادته من مساق الأحاديث ، فإنّه تجوّز ـ على تقديره ـ لا شاهد له ، ولا يساعد عليه أسلوب الأحاديث الواردة.

تنبيهان

الأوّل : ظهور الجملة الخبريّة الدالّة على الطلب في الوجوب.

اعلم أنّ الجملة الخبريّة في مقام إنشاء الطلب شأنها شأن صيغة «افعل» في ظهورها في الوجوب ، كما أشرنا إليه سابقا ، بقولنا : «صيغة افعل وما شابهها».

والجملة الخبريّة مثل قول : «يغتسل. يتوضّأ. يصلّي» بعد السؤال عن شيء يقتضي مثل هذا الجواب ونحو ذلك.

والسرّ في ذلك أنّ المناط في الجميع واحد ، فإنّه إذا ثبت البعث من المولى ـ بأيّ مظهر كان وبأيّ لفظ كان ـ فلا بدّ أن يتبعه حكم العقل بلزوم الانبعاث ما لم يأذن المولى بتركه.

بل ربّما يقال : إنّ دلالة الجملة الخبرية على الوجوب آكد ؛ لأنّها في الحقيقة إخبار عن تحقّق الفعل بادّعاء أنّ وقوع الامتثال من المكلّف مفروغ منه (٣).

__________________

(١) هذا ما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ١٣٦. واختاره تلميذه المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ١٣٠ ـ ١٣٢.

(٢) أي أو من باب تأويله ....

(٣) هكذا قال المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٩٣.