درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۴: صیغه امر ۳

 

الثاني : ظهور الأمر بعد الحظر أو توهّمه.

قد يقع إنشاء الأمر بعد تقدّم الحظر ـ أي المنع ـ أو عند توهّم الحظر ، كما لو منع الطبيب المريض عن شرب الماء ، ثمّ قال له : «اشرب الماء». أو قال ذلك عند ما يتوهّم المريض أنّه ممنوع منه ومحظور عليه شربه.

وقد اختلف الأصوليون في مثل هذا الأمر أنّه هل هو ظاهر في الوجوب (١) ، أو ظاهر في الإباحة (٢) ، أو الترخيص فقط (٣) ـ أي رفع المنع فقط من دون التعرّض لثبوت حكم آخر من إباحة أو غيرها ـ ، أو يرجع إلى ما كان عليه سابقا قبل المنع (٤)؟ على أقوال كثيرة.

وأصحّ الأقوال هو الثالث ، وهو دلالتها على الترخيص فقط.

والوجه في ذلك أنّك قد عرفت أنّ دلالة الأمر على الوجوب إنّما تنشأ من حكم العقل بلزوم الانبعاث ما لم يثبت الإذن بالترك. ومنه تستطيع أن تتفطّن أنّه لا دلالة للأمر في المقام على الوجوب ؛ لأنّه ليس فيه دلالة على البعث وإنّما هو ترخيص في الفعل لا أكثر.

وأوضح من هذا أن نقول : إنّ مثل هذا الأمر هو إنشاء بداعي الترخيص في الفعل والإذن به ، فهو لا يكون إلاّ ترخيصا وإذنا بالحمل الشائع. ولا يكون بعثا إلاّ إذا كان الإنشاء بداعي البعث. ووقوعه بعد الحظر أو توهّمه قرينة على عدم كونه بداعي البعث ، فلا يكون دالاّ

__________________

(١) ذهب إليه بعض العامّة ، كالحنفيّة ، والمعتزلة ، والقاضي الباقلانيّ والفخر الرازيّ من الشافعيّة ، واختاره البيضاويّ في منهاج الأصول. فراجع فواتح الرحموت (المطبوع بذيل المستصفى ١ : ٣٧٩) ، ونهاية السئول ٢ : ٢٧٢ ، والإحكام (للآمديّ) ٢ : ٢٦٠.

(٢) لم أعثر على من قال بظهوره في الإباحة الاصطلاحيّة. وأمّا المنسوب إلى أكثر الفقهاء من القول بظهوره في الإباحة فالظاهر أنّه الإباحة بمعنى رفع الحجر والحظر. كما صرّح بذلك الآمديّ في الإحكام ٢ : ٢٦٠ ، والمحقّق القميّ في قوانين الأصول ١ : ٨٩ ، وبعض المحشّين على العدّة ١ : ١٨٣.

(٣) وهذا منسوب إلى أكثر الفقهاء. راجع العدّة ١ : ١٨٣ ، فواتح الرحموت (المطبوع بذيل المستصفى ١ : ٣٧٩) ، الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٢٦٠. وذهب إليه المحقّق القميّ في قوانين الأصول ١ : ٨٩.

(٤) ذهب إليه السيد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٧٣. واختاره الشيخ الطوسيّ في العدّة ١ : ١٨٣.

على الوجوب. وعدم دلالته على الإباحة بطريق أولى ، فيرجع فيه إلى دليل آخر من أصل أو أمارة.

مثاله قوله (تعالى) : ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ (١) فإنّه أمر بعد الحظر عن الصيد حال الإحرام (٢) ، فلا يدلّ على وجوب الصيد.

نعم ، لو اقترن الكلام بقرينة خاصّة على أنّ الأمر صدر بداعي البعث أو لغرض بيان إباحة الفعل فإنّه حينئذ يدلّ على الوجوب أو الإباحة. ولكن هذا أمر آخر لا كلام فيه ؛ فإنّ الكلام في فرض صدور الأمر بعد الحظر أو توهّمه مجرّدا عن كلّ قرينة أخرى غير هذه القرينة.

تمرينات (٩)

١. ما معنى صيغة الأمر؟

٢. اذكر خمسة موارد من موارد استعمال صيغة الأمر ، وايت بمثال لها.

٣. هل صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب؟ كيف؟

٤. هل الجملة الخبريّة ظاهرة في الوجوب؟ ما السرّ في ذلك؟

٥. ما هي الأقوال في ظهور الأمر بعد الحظر؟ وما هو الأصح؟ ولما ذا صار أصحّ؟

__________________

(١) المائدة (٥) الآية : ٢.

(٢) فإنّ قوله (تعالى) : ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ أمر بالاصطياد ، وهو واقع عقيب حرمة الاصطياد في حال الإحرام ؛ لقوله (تعالى) : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المائدة (٥) الآية : ٩٥.

٣. التعبّديّ والتوصّليّ

تمهيد

كلّ متفقّه يعرف أنّ في الشريعة المقدّسة واجبات لا تصحّ ولا تسقط أوامرها إلاّ بإتيانها قربيّة إلى وجه الله (تعالى).

وكونها قربيّة إنّما هو بإتيانها بقصد امتثال أوامرها أو بغيره من وجوه قصد القربة إلى الله (تعالى) ، على ما ستأتي الإشارة إليها (١). وتسمّى هذه الواجبات «العباديّات» ، أو «التعبّديّات» ، كالصلاة والصوم ونحوها.

وهناك واجبات أخرى تسمّى «التوصّليّات» وهي التي تسقط أوامرها بمجرّد وجودها وإن لم يقصد بها القربة ، كإنقاذ الغريق ، وأداء الدين ، ودفن الميّت ، وتطهير الثوب والبدن للصلاة ، ونحو ذلك.

وللتعبّديّ والتوصّليّ تعريف آخر كان مشهورا عند القدماء ، وهو أنّ التوصّليّ «ما كان الداعي للأمر به معلوما» ، وفي قباله التعبّديّ وهو «ما لم يعلم الغرض منه (٢)». وإنّما سمّي تعبّديّا ؛ لأنّ الغرض الداعي للمأمور ليس إلاّ التعبّد بأمر المولى فقط. ولكن التعريف غير صحيح إلاّ إذا أريد به اصطلاح ثان للتعبّديّ والتوصّليّ ، فيراد بالتعبّد التسليم لله (تعالى) فيما أمر به وإن كان المأمور به توصّليّا بالمعنى الأوّل ، كما يقولون مثلا : «نعمل هذا تعبّدا» ويقولون : «نعمل هذا من باب التعبّد» ، أي نعمل هذا من باب التسليم لأمر الله (تعالى) وإن لم نعلم المصلحة فيه.

وعلى ما تقدّم من بيان معنى التوصّليّ والتعبّديّ ـ المصطلح الأوّل (٣) ـ فإن علم حال واجب بأنّه تعبّديّ أو توصّليّ فلا إشكال ، وإن شكّ في ذلك فهل الأصل كونه تعبّديّا أو توصّليّا؟ فيه خلاف بين الأصوليّين. وينبغي لتوضيح ذلك وبيان المختار تقديم أمور :

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٨٧.

(٢) هذا التعريف منسوب إلى القدماء ، كما نسبه إليهم المحقّق العراقيّ في مقالات الأصول ١ : ٢٢٩.

(٣) وأوّل من ذهب إليه هو الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٥٩. ثمّ تبعه من تأخّر عنه.