درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۵: صیغه امر ۴

 

أ. منشأ الخلاف وتحريره

إنّ منشأ الخلاف هنا هو الخلاف في إمكان أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر ـ كالصلاة مثلا ـ قيدا له على نحو الجزء أو الشرط على وجه يكون المأمور به المتعلّق للأمر هو الصلاة المأتيّ بها بقصد القربة بهذا القيد ، كقيد الطهارة فيها ؛ إذ يكون المأمور به الصلاة عن طهارة لا الصلاة المجرّدة عن هذا القيد من حيث هي هي.

فمن قال بإمكان أخذ هذا القيد (١) ـ وهو قصد القربة ـ كان مقتضى الأصل عنده التوصّليّة إلاّ إذا دلّ دليل خاصّ على التعبّديّة ، كسائر القيود الأخرى ؛ لما عرفت أنّ إطلاق كلام المولى حجّة يجب الأخذ به ما لم يثبت التقييد ، فعند الشكّ في اعتبار قيد يمكن أخذه في المأمور به فالمرجع أصالة الإطلاق لنفي اعتبار ذلك القيد.

ومن قال باستحالة أخذ قيد قصد القربة (٢) فليس له التمسّك بالإطلاق ؛ لأنّ الإطلاق ليس إلاّ عبارة عن عدم التقييد فيما من شأنه التقييد ؛ لأنّ التقابل بينهما من باب تقابل العدم والملكة ـ الملكة : هي التقييد ، وعدمها : الإطلاق ـ. وإذا استحالت الملكة استحال عدمها بما هو عدم ملكة ، لا بما هو عدم مطلق. وهذا واضح ؛ لأنّه إذا كان التقييد مستحيلا في لسان الدليل فعدم التقييد (٣) لا يستكشف منه إرادة الإطلاق ؛ فإنّ عدم التقييد يجوز أن يكون لاستحالة التقييد ، ويجوز أن يكون لعدم إرادة التقييد ، ولا طريق لإثبات الثاني بمجرّد عدم ذكر القيد وحده.

وبعد هذا نقول : إذا شككنا في اعتبار شيء في مراد المولى وما تعلّق به غرضه واقعا

__________________

(١) وهذا هو المعروف بين الأصوليّين إلى زمان الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

(٢) وأوّل من قال به الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٦٠. وتبعه أكثر من تأخّر عنه ؛ فبعضهم ادّعى امتناعه الذاتي ، كما في حاشية الكفاية (للمشكيني) ١ : ٣٥٧ ، وبدائع الأفكار ١ : ٢٢٨ ، منتهى الأصول ١ : ١٢٩ ـ ١٣٢ ؛ وبعضهم ادّعى امتناعه الغيري ، كما في كفاية الأصول : ٩٥ ، ونهاية الدراية ١ : ٢٣٣ ، وفوائد الأصول ١ : ١٤٩.

(٣) وفي «س» : «إذا كان التقييد مستحيلا فعدم التقييد في لسان الدليل ...» وهو أيضا صحيح. وأمّا الموجود في بعض النسخ المطبوعة : «إذا كان التقييد في لسان الدليل لا يستكشف منه ...» غلط كما لا يخفى.

ولم يمكن له بيانه فلا محالة يرجع ذلك إلى الشكّ في سقوط الأمر إذا خلا المأتيّ به من ذلك القيد المشكوك. وعند الشكّ في سقوط الأمر ـ أي في امتثاله ـ يحكم العقل بلزوم الإتيان به مع القيد المشكوك كيما يحصل له العلم بفراغ ذمّته من التكليف ؛ لأنّه إذا اشتغلت الذمّة بواجب يقينا فلا بدّ من إحراز الفراغ منه في حكم العقل. وهذا معنى ما اشتهر في لسان الأصوليّين من قولهم : «الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ». وهذا ما يسمّى عندهم بـ «أصل الاشتغال» أو «أصالة الاحتياط».

ب. محلّ الخلاف من وجوب قصد القربة

إنّ محلّ الخلاف في المقام هو إمكان أخذ قصد امتثال الأمر في المأمور به. وأمّا غير قصد الامتثال من وجوه قصد القربة ، كقصد محبوبيّة الفعل المأمور به الذاتيّة باعتبار أنّ كلّ مأمور به لا بدّ أن يكون محبوبا للآمر ، ومرغوبا فيه عنده ، وكقصد التقرّب إلى الله (تعالى) محضا بالفعل لا من جهة قصد امتثال أمره ، بل رجاء لرضاه ، ونحو ذلك من وجوه قصد القربة ، فإنّ كلّ هذه الوجوه لا مانع قطعا من أخذها قيدا للمأمور به ، ولا يلزم المحال الذي ذكروه في أخذ قصد الامتثال (١) على ما سيأتي.

ولكنّ الشأن في أنّ هذه الوجوه هل هي مأخوذة في المأمور به فعلا على نحو لا تكون العبادة عبادة إلاّ بها؟ الحقّ أنّه لم يؤخذ شيء منها في المأمور به.

والدليل على ذلك ما نجده من الاتّفاق على صحّة العبادة ـ كالصلاة مثلا ـ إذا أتي بها بداعي أمرها مع عدم قصد الوجوه الأخرى. ولو كان غير قصد الامتثال من وجوه القربة مأخوذا في المأمور به لما صحّت العبادة ، ولما سقط أمرها بمجرّد الإتيان بداعي أمرها بدون قصد ذلك الوجه.

فالخلاف ـ إذن ـ منحصر في إمكان أخذ قصد الامتثال واستحالته.

__________________

(١) هذا ما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٩٧. وأمّا المحقّق النائينيّ فذهب إلى امتناع أخذ سائر الدواعي القربيّة أيضا في متعلّق الأمر ، ودليله جريان المحاذير المذكورة في أخذ قصد الامتثال هنا. فراجع فوائد الأصول ١ : ١٥١.