درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۶: صیغه امر ۵

 

ولم يمكن له بيانه فلا محالة يرجع ذلك إلى الشكّ في سقوط الأمر إذا خلا المأتيّ به من ذلك القيد المشكوك. وعند الشكّ في سقوط الأمر ـ أي في امتثاله ـ يحكم العقل بلزوم الإتيان به مع القيد المشكوك كيما يحصل له العلم بفراغ ذمّته من التكليف ؛ لأنّه إذا اشتغلت الذمّة بواجب يقينا فلا بدّ من إحراز الفراغ منه في حكم العقل. وهذا معنى ما اشتهر في لسان الأصوليّين من قولهم : «الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ». وهذا ما يسمّى عندهم بـ «أصل الاشتغال» أو «أصالة الاحتياط».

ب. محلّ الخلاف من وجوب قصد القربة

إنّ محلّ الخلاف في المقام هو إمكان أخذ قصد امتثال الأمر في المأمور به. وأمّا غير قصد الامتثال من وجوه قصد القربة ، كقصد محبوبيّة الفعل المأمور به الذاتيّة باعتبار أنّ كلّ مأمور به لا بدّ أن يكون محبوبا للآمر ، ومرغوبا فيه عنده ، وكقصد التقرّب إلى الله (تعالى) محضا بالفعل لا من جهة قصد امتثال أمره ، بل رجاء لرضاه ، ونحو ذلك من وجوه قصد القربة ، فإنّ كلّ هذه الوجوه لا مانع قطعا من أخذها قيدا للمأمور به ، ولا يلزم المحال الذي ذكروه في أخذ قصد الامتثال (١) على ما سيأتي.

ولكنّ الشأن في أنّ هذه الوجوه هل هي مأخوذة في المأمور به فعلا على نحو لا تكون العبادة عبادة إلاّ بها؟ الحقّ أنّه لم يؤخذ شيء منها في المأمور به.

والدليل على ذلك ما نجده من الاتّفاق على صحّة العبادة ـ كالصلاة مثلا ـ إذا أتي بها بداعي أمرها مع عدم قصد الوجوه الأخرى. ولو كان غير قصد الامتثال من وجوه القربة مأخوذا في المأمور به لما صحّت العبادة ، ولما سقط أمرها بمجرّد الإتيان بداعي أمرها بدون قصد ذلك الوجه.

فالخلاف ـ إذن ـ منحصر في إمكان أخذ قصد الامتثال واستحالته.

__________________

(١) هذا ما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٩٧. وأمّا المحقّق النائينيّ فذهب إلى امتناع أخذ سائر الدواعي القربيّة أيضا في متعلّق الأمر ، ودليله جريان المحاذير المذكورة في أخذ قصد الامتثال هنا. فراجع فوائد الأصول ١ : ١٥١.

ج. الإطلاق والتقييد في التقسيمات الأوّليّة للواجب

إنّ كلّ واجب في نفسه له تقسيمات باعتبار الخصوصيّات التي يمكن أن تلحقه في الخارج ، مثلا الصلاة تنقسم في ذاتها مع قطع النظر عن تعلّق الأمر بها إلى : ١. ذات سورة ، وفاقدتها. ٢. ذات تسليم ، وفاقدته. ٣. صلاة عن طهارة ، وفاقدتها. ٤. صلاة مستقبل بها القبلة ، وغير مستقبل بها. ٥. صلاة مع الساتر وبدونه ... وهكذا يمكن تقسيمها إلى ما شاء الله من الأقسام بملاحظة أجزائها وشروطها وملاحظة كلّ ما يمكن فرض اعتباره فيها وعدمه. ويسمّى مثل هذه التقسيمات «التقسيمات الأوّليّة» ؛ لأنّها تقسيمات تلحقها في ذاتها مع قطع النظر عن فرض تعلّق شيء بها. وتقابلها «التقسيمات الثانويّة» التي تلحقها بعد فرض تعلّق شيء بها كالأمر مثلا ، وسيأتي ذكرها.

فإذا نظرنا إلى هذه التقسيمات الأوّليّة للواجب ، فالحكم بالوجوب بالقياس إلى كلّ خصوصيّة منها لا يخلو في الواقع من أحد احتمالات ثلاثة :

١. أن يكون مقيّدا بوجودها ، ويسمّى «بشرط شيء» ، مثل شرط الطهارة ، والساتر ، والاستقبال ، والسورة ، والركوع ، والسجود ، وغيرها من أجزاء وشرائط بالنسبة إلى الصلاة.

٢. أن يكون مقيّدا بعدمها ، ويسمّى «بشرط لا» ، مثل شرط الصلاة بعدم الكلام ، والقهقهة ، والحدث ، إلى غير ذلك من قواطع الصلاة.

٣. أن يكون مطلقا بالنسبة إليها ـ أي غير مقيّد بوجودها ولا بعدمها ـ ، ويسمّى «لا بشرط» ، مثل عدم اشتراط الصلاة بالقنوت ؛ فإنّ وجوبها غير مقيّد بوجوده ولا بعدمه. اهذا في مرحلة الواقع والثبوت.

وأمّا في مرحلة الإثبات والدلالة : فإنّ الدليل الذي يدلّ على وجوب شيء إن دلّ على اعتبار قيد فيه ، أو على اعتبار عدمه فذاك ، وإن لم يكن الدليل متضمّنا لبيان التقييد بما هو محتمل التقييد لا وجودا ولا عدما ، فإنّ المرجع في ذلك هو أصالة الإطلاق ، إذا توفّرت المقدّمات المصحّحة للتمسّك بأصالة الإطلاق على ما سيأتي في بابه ـ وهو باب المطلق والمقيّد (١) ـ ،

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ١٩٦.

وبأصالة الإطلاق يستكشف أنّ إرادة المتكلّم الآمر متعلّقة بالمطلق واقعا ، أي إنّ الواجب لم يؤخذ بالنسبة إلى القيد إلاّ على نحو اللابشرط.

والخلاصة أنّه لا مانع من التمسّك بالإطلاق لرفع احتمال التقييد في التقسيمات الأوّليّة.

د. عدم إمكان الإطلاق والتقييد في التقسيمات الثانويّة للواجب

ثمّ إنّ كلّ واجب ـ بعد ثبوت الوجوب وتعلّق الأمر به واقعا ـ ينقسم إلى ما يؤتى به في الخارج بداعي أمره ، وما يؤتى به لا بداعي أمره. ثمّ ينقسم أيضا إلى معلوم الوجوب ومجهوله.

وهذه التقسيمات تسمّى «التقسيمات الثانويّة» ؛ لأنّها من لواحق الحكم وبعد فرض ثبوت الوجوب واقعا ؛ إذ قبل تحقّق الحكم لا معنى لفرض إتيان الصلاة ـ مثلا ـ بداعي أمرها ؛ لأنّ المفروض في هذه الحالة [أنّه] لا أمر بها حتّى يمكن فرض قصده. وكذا الحال بالنسبة إلى العلم والجهل بالحكم.

وفي مثل هذه التقسيمات يستحيل التقييد ـ أي تقييد المأمور به ـ ؛ لأنّ قصد امتثال الأمر ـ مثلا ـ فرع وجود الأمر ، فكيف يعقل أن يكون الأمر مقيّدا به؟! ولازمه أن يكون الأمر فرع قصد الأمر ، وقد كان قصد الأمر فرع وجود الأمر ، فيلزم أن يكون المتقدّم متأخّرا والمتأخّر متقدّما. وهذا خلف أو دور.

وإذا استحال التقييد استحال الإطلاق أيضا ؛ لما قلنا سابقا (١) : إنّ الإطلاق من قبيل عدم الملكة بالقياس إلى التقييد (٢) ، فلا يفرض إلاّ في مورد قابل للتقييد ، ومع عدم إمكان التقييد لا يستكشف من عدم التقييد إرادة الإطلاق.

__________________

(١) قد مرّ في الصفحة : ٨٦.

(٢) اعلم أنّ في تقابل الإطلاق والتقييد أقوالا : منها : أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، وهو المنسوب إلى سلطان العلماء ومن تبعه من المتأخّرين ، كما في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٥. ومنها : أنّه تقابل التضادّ ، وهو رأي المشهور إلى زمان سلطان العلماء ، كما في فوائد الأصول ١ : ٥٦٥. ومنها : تقابل التضادّ في مرحلة الثبوت ، والعدم والملكة في مرحلة الإثبات. وهذا ما اختاره المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ١٧٣. ومنها : أنّه تقابل التناقض. وهو مذهب الشهيد الصدر في دروس في علم الأصول ٢ : ٩٠ ـ ٩١.