درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۷: صیغه امر ۶

 

وبأصالة الإطلاق يستكشف أنّ إرادة المتكلّم الآمر متعلّقة بالمطلق واقعا ، أي إنّ الواجب لم يؤخذ بالنسبة إلى القيد إلاّ على نحو اللابشرط.

والخلاصة أنّه لا مانع من التمسّك بالإطلاق لرفع احتمال التقييد في التقسيمات الأوّليّة.

د. عدم إمكان الإطلاق والتقييد في التقسيمات الثانويّة للواجب

ثمّ إنّ كلّ واجب ـ بعد ثبوت الوجوب وتعلّق الأمر به واقعا ـ ينقسم إلى ما يؤتى به في الخارج بداعي أمره ، وما يؤتى به لا بداعي أمره. ثمّ ينقسم أيضا إلى معلوم الوجوب ومجهوله.

وهذه التقسيمات تسمّى «التقسيمات الثانويّة» ؛ لأنّها من لواحق الحكم وبعد فرض ثبوت الوجوب واقعا ؛ إذ قبل تحقّق الحكم لا معنى لفرض إتيان الصلاة ـ مثلا ـ بداعي أمرها ؛ لأنّ المفروض في هذه الحالة [أنّه] لا أمر بها حتّى يمكن فرض قصده. وكذا الحال بالنسبة إلى العلم والجهل بالحكم.

وفي مثل هذه التقسيمات يستحيل التقييد ـ أي تقييد المأمور به ـ ؛ لأنّ قصد امتثال الأمر ـ مثلا ـ فرع وجود الأمر ، فكيف يعقل أن يكون الأمر مقيّدا به؟! ولازمه أن يكون الأمر فرع قصد الأمر ، وقد كان قصد الأمر فرع وجود الأمر ، فيلزم أن يكون المتقدّم متأخّرا والمتأخّر متقدّما. وهذا خلف أو دور.

وإذا استحال التقييد استحال الإطلاق أيضا ؛ لما قلنا سابقا (١) : إنّ الإطلاق من قبيل عدم الملكة بالقياس إلى التقييد (٢) ، فلا يفرض إلاّ في مورد قابل للتقييد ، ومع عدم إمكان التقييد لا يستكشف من عدم التقييد إرادة الإطلاق.

__________________

(١) قد مرّ في الصفحة : ٨٦.

(٢) اعلم أنّ في تقابل الإطلاق والتقييد أقوالا : منها : أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ، وهو المنسوب إلى سلطان العلماء ومن تبعه من المتأخّرين ، كما في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٥. ومنها : أنّه تقابل التضادّ ، وهو رأي المشهور إلى زمان سلطان العلماء ، كما في فوائد الأصول ١ : ٥٦٥. ومنها : تقابل التضادّ في مرحلة الثبوت ، والعدم والملكة في مرحلة الإثبات. وهذا ما اختاره المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ١٧٣. ومنها : أنّه تقابل التناقض. وهو مذهب الشهيد الصدر في دروس في علم الأصول ٢ : ٩٠ ـ ٩١.

النتيجة

وإذا عرفنا هذه المقدّمات يحسن بنا أن نرجع إلى صلب الموضوع ، فنقول : قد اختلف الأصوليّون في أنّ الأصل في الواجب ـ إذا شكّ في كونه تعبّديّا أو توصّليّا ـ هل إنّه تعبّدي أو توصّليّ؟

ذهب جماعة (١) إلى أنّ الأصل في الواجبات أن تكون عباديّة إلاّ أن يقوم دليل خاصّ على عدم دخل قصد القربة في المأمور به ؛ لأنّه لا بدّ من الإتيان به تحصيلا للفراغ اليقينيّ مع عدم الدليل على الاكتفاء بدونه ، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق لنفيه حسب الفرض. وقد تقدّم ذلك في الأمر الأوّل. فتكون أصالة الاحتياط هي المرجع هنا وهي تقتضي العباديّة.

وذهب جماعة (٢) إلى أنّ الأصل في الواجبات أن تكون توصّليّة ، لا لأجل التمسّك بأصالة الإطلاق في نفس الأمر (٣) ، ولا لأجل أصالة البراءة من اعتبار قيد القربة (٤) ، بل نتمسّك لذلك بإطلاق المقام (٥).

توضيح ذلك أنّه لا ريب في أنّ المأمور به إطلاقا وتقييدا يتبع الغرض سعة وضيقا ، فإن كان القيد دخيلا في الغرض فلا بدّ من بيانه وأخذه في المأمور به قيدا ، وإلاّ فلا.

غير أنّ ذلك فيما يمكن أخذه من القيود في المأمور به ـ كما في التقسيمات الأوّليّة ـ أمّا : ما لا يمكن أخذه في المأمور به قيدا ـ كالذي نحن فيه وهو قيد قصد الامتثال ـ فلا يصحّ من الآمر أن يتغافل عنه حيث لا يمكن أخذه قيدا في الكلام الواحد المتضمّن للأمر ، بل لا مناص له عن اتّباع طريقة أخرى ممكنة لاستيفاء غرضه ، ولو بإنشاء أمرين : أحدهما يتعلّق بذات الفعل مجرّدا عن القيد ، والثاني يتعلّق بالقيد ، مثلا لو فرض أنّ غرض

__________________

(١) منهم : صاحب الكفاية. راجع كفاية الأصول : ٩٨.

(٢) ومنهم : الشيخ الأعظم الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٦١.

(٣) حتى يرد عليه ما أورده الشيخ الأعظم الأنصاريّ من أنّ القيد ممّا لا يتحقّق إلاّ بعد الأمر. راجع مطارح الأنظار : ٦٠.

(٤) احتجّ بها على التوصّليّة المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ١٩٣.

(٥) كما أشار إليه المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٩٨ ـ ٩٩.