درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۸: صیغه امر ۷

 

النتيجة

وإذا عرفنا هذه المقدّمات يحسن بنا أن نرجع إلى صلب الموضوع ، فنقول : قد اختلف الأصوليّون في أنّ الأصل في الواجب ـ إذا شكّ في كونه تعبّديّا أو توصّليّا ـ هل إنّه تعبّدي أو توصّليّ؟

ذهب جماعة (١) إلى أنّ الأصل في الواجبات أن تكون عباديّة إلاّ أن يقوم دليل خاصّ على عدم دخل قصد القربة في المأمور به ؛ لأنّه لا بدّ من الإتيان به تحصيلا للفراغ اليقينيّ مع عدم الدليل على الاكتفاء بدونه ، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق لنفيه حسب الفرض. وقد تقدّم ذلك في الأمر الأوّل. فتكون أصالة الاحتياط هي المرجع هنا وهي تقتضي العباديّة.

وذهب جماعة (٢) إلى أنّ الأصل في الواجبات أن تكون توصّليّة ، لا لأجل التمسّك بأصالة الإطلاق في نفس الأمر (٣) ، ولا لأجل أصالة البراءة من اعتبار قيد القربة (٤) ، بل نتمسّك لذلك بإطلاق المقام (٥).

توضيح ذلك أنّه لا ريب في أنّ المأمور به إطلاقا وتقييدا يتبع الغرض سعة وضيقا ، فإن كان القيد دخيلا في الغرض فلا بدّ من بيانه وأخذه في المأمور به قيدا ، وإلاّ فلا.

غير أنّ ذلك فيما يمكن أخذه من القيود في المأمور به ـ كما في التقسيمات الأوّليّة ـ أمّا : ما لا يمكن أخذه في المأمور به قيدا ـ كالذي نحن فيه وهو قيد قصد الامتثال ـ فلا يصحّ من الآمر أن يتغافل عنه حيث لا يمكن أخذه قيدا في الكلام الواحد المتضمّن للأمر ، بل لا مناص له عن اتّباع طريقة أخرى ممكنة لاستيفاء غرضه ، ولو بإنشاء أمرين : أحدهما يتعلّق بذات الفعل مجرّدا عن القيد ، والثاني يتعلّق بالقيد ، مثلا لو فرض أنّ غرض

__________________

(١) منهم : صاحب الكفاية. راجع كفاية الأصول : ٩٨.

(٢) ومنهم : الشيخ الأعظم الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٦١.

(٣) حتى يرد عليه ما أورده الشيخ الأعظم الأنصاريّ من أنّ القيد ممّا لا يتحقّق إلاّ بعد الأمر. راجع مطارح الأنظار : ٦٠.

(٤) احتجّ بها على التوصّليّة المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ١٩٣.

(٥) كما أشار إليه المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٩٨ ـ ٩٩.

المولى قائم بالصلاة المأتيّ بها بداعي أمرها ؛ فإنّه إذا لم يمكن تقييد المأمور به بذلك في نفس الأمر المتعلّق بها ـ لما عرفت من امتناع التقييد في التقسيمات الثانوية ـ فلا بدّ له ـ أي الآمر ـ لتحصيل غرضه أن يسلك طريقة أخرى ، كأن يأمر أوّلا بالصلاة ثمّ يأمر ثانيا بإتيانها بداعي أمرها الأوّل ؛ مبيّنا ذلك بصريح العبارة.

وهذان الأمران يكونان في حكم أمر واحد ثبوتا وسقوطا ؛ لأنّهما ناشئان من غرض واحد ، والثاني يكون بيانا للأوّل ، فمع عدم امتثال الأمر الثاني لا يسقط الأمر الأوّل بامتثاله فقط ، وذلك بأن يأتي بالصلاة مجرّدة عن قصد أمرها ، فيكون الأمر الثاني بانضمامه إلى الأوّل مشتركا مع التقييد في النتيجة وإن لم يسمّ تقييدا اصطلاحا.

إذا عرفت ذلك فنقول : المولى إذا أمر بشيء ـ وكان في مقام البيان ـ واكتفى بهذا الأمر ولم يلحقه بما يكون بيانا له فلم يأمر ثانيا بقصد الامتثال فإنّه يستكشف منه عدم دخل قصد الامتثال في الغرض ، وإلاّ لبيّنه بأمر ثان. وهذا ما سمّيناه بـ «إطلاق المقام».

وعليه ، فالأصل في الواجبات كونها توصّليّة حتّى يثبت بالدليل أنّها تعبّديّة.

٤. الواجب العينيّ وإطلاق الصيغة

الواجب العينيّ «ما يتعلّق بكلّ مكلّف ولا يسقط بفعل الغير» ، كالصلاة اليوميّة والصوم. ويقابله الواجب الكفائيّ ، وهو «المطلوب فيه وجود الفعل من أيّ مكلّف كان» ، فيسقط بفعل بعض المكلّفين عن الباقي ، كالصلاة على الميّت وتغسيله ودفنه. وسيأتي في تقسيمات الواجب ذكرهما (١).

وفيما يتعلّق بمسألة تشخيص الظهور نقول : إن دلّ الدليل على أنّ الواجب عينيّ أو كفائيّ فذاك ، وإن لم يدلّ فإنّ إطلاق صيغة افعل يقتضي أن يكون عينيّا ، سواء أتى بذلك العمل شخص آخر أم لم يأت به ، فإنّ العقل يحكم بلزوم امتثال الأمر ما لم يعلم سقوطه بفعل الغير.

فالمحتاج إلى مزيد البيان على أصل الصيغة هو الواجب الكفائيّ ، فإذا لم ينصب المولى

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ١٠٧.

قرينة على إرادته ـ كما هو المفروض ـ يعلم أنّ مراده الواجب العينيّ.

٥. الواجب التعيينيّ وإطلاق الصيغة

الواجب التعيينيّ هو : «الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له وبديلا عنه في عرضه» ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب التخييريّ ، كخصال كفّارة الإفطار العمديّ في صوم شهر رمضان ، المخيّرة بين إطعام ستّين مسكينا ، وصوم شهرين متتابعين ، وعتق رقبة. وسيأتي في الخاتمة توضيح الواجب التعيينيّ والتخييريّ (١).

فإذا علم واجب أنّه من أيّ القسمين فذاك ، وإلاّ فمقتضى إطلاق صيغة الأمر وجوب ذلك الفعل ، سواء أتى بفعل آخر أم لم يأت به ، فالقاعدة تقتضي عدم سقوطه بفعل شيء آخر ؛ لأنّ التخيير محتاج إلى مزيد بيان مفقود.

٦. الواجب النفسيّ وإطلاق الصيغة

الواجب النفسيّ هو «الواجب لنفسه لا لأجل واجب آخر» ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب الغيريّ ، كالوضوء ، فإنّه إنّما يجب مقدّمة للصلاة الواجبة ، لا لنفسه ؛ إذ لو لم تجب الصلاة ، لما وجب الوضوء.

فإذا شكّ في واجب أنّه نفسيّ أو غيريّ ، فمقتضى إطلاق تعلّق الأمر به ـ سواء وجب شيء آخر أم لا ـ أنّه واجب نفسيّ. فالإطلاق يقتضي النفسيّة ما لم تثبت الغيريّة.

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ١٠٥.