درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۶۹: صیغه امر ۸

 

قرينة على إرادته ـ كما هو المفروض ـ يعلم أنّ مراده الواجب العينيّ.

٥. الواجب التعيينيّ وإطلاق الصيغة

الواجب التعيينيّ هو : «الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له وبديلا عنه في عرضه» ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب التخييريّ ، كخصال كفّارة الإفطار العمديّ في صوم شهر رمضان ، المخيّرة بين إطعام ستّين مسكينا ، وصوم شهرين متتابعين ، وعتق رقبة. وسيأتي في الخاتمة توضيح الواجب التعيينيّ والتخييريّ (١).

فإذا علم واجب أنّه من أيّ القسمين فذاك ، وإلاّ فمقتضى إطلاق صيغة الأمر وجوب ذلك الفعل ، سواء أتى بفعل آخر أم لم يأت به ، فالقاعدة تقتضي عدم سقوطه بفعل شيء آخر ؛ لأنّ التخيير محتاج إلى مزيد بيان مفقود.

٦. الواجب النفسيّ وإطلاق الصيغة

الواجب النفسيّ هو «الواجب لنفسه لا لأجل واجب آخر» ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب الغيريّ ، كالوضوء ، فإنّه إنّما يجب مقدّمة للصلاة الواجبة ، لا لنفسه ؛ إذ لو لم تجب الصلاة ، لما وجب الوضوء.

فإذا شكّ في واجب أنّه نفسيّ أو غيريّ ، فمقتضى إطلاق تعلّق الأمر به ـ سواء وجب شيء آخر أم لا ـ أنّه واجب نفسيّ. فالإطلاق يقتضي النفسيّة ما لم تثبت الغيريّة.

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ١٠٥.

تمرينات (١٠)

التمرين الأوّل

١. ما هو تعريف الواجب التعبّدي والتوصّلي عند المتأخّرين والقدماء؟

٢. ما هو منشأ الخلاف في أنّ الأصل في الواجبات هو كونها توصّليّة أو تعبّديّة؟

٣. ما معنى قولهم : «الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني»؟

٤. هل يمكن أخذ غير قصد الامتثال من وجوه قصد القربة في المأمور به؟

٥. ما المراد من التقسيمات الأوّليّة والتقسيمات الثانويّة للواجب؟

٦. هل يمكن التمسّك بالإطلاق لرفع احتمال التقييد في التقسيمات الأوّليّة؟ ما الدليل عليه؟

٧. ما الوجه في استحالة التمسّك بالإطلاق لرفع احتمال التقييد في التقسيمات الثانويّة؟

٨. ما دليل القول : بأنّ الأصل في الواجبات أن تكون عباديّة ، وما دليل القول ؛ بأنّ الأصل فيها أن تكون توصّليّة؟ وما هو الأقرب منهما؟ وما وجه الأقربيّة؟

٩. ما هو تعريف الواجب العينيّ والواجب الكفائيّ؟ وأيّهما مقتضى إطلاق صيغة الأمر؟

١٠. ما هو تعريف الواجب التعيينيّ والواجب التعيّنيّ؟ وأيّهما مقتضى إطلاق صيغة الأمر؟

١١. ما هو تعريف الواجب النفسيّ والواجب الغيريّ؟ وأيّهما مقتضى إطلاق صيغة الأمر؟

التمرين الثاني

١. ما هي أدلّة القائلين بامتناع أخذ قيد قصد القربة في متعلّق الأمر امتناعا ذاتيّا؟

٢. ما هي أدلّة القائلين بامتناعه امتناعا غيريّا؟

٣. ما هي الأقوال في تقابل الإطلاق والتقييد؟

٧. الفور والتراخي

اختلف الأصوليّون في دلالة صيغة الأمر على الفور والتراخي على أقوال :

١. إنّها موضوعة للفور (١).

٢. إنّها موضوعة للتراخي (٢).

٣. إنّها موضوعة لهما على نحو الاشتراك اللفظي (٣).

٤. إنّها غير موضوعة لا للفور ، ولا للتراخي ، ولا للأعمّ منهما (٤) ، بل لا دلالة لها على أحدهما بوجه من الوجوه. وإنّما يستفاد أحدهما من القرائن الخارجيّة التي تختلف باختلاف المقامات (٥). والحقّ هو الأخير.

والدليل عليه ما عرفت من أنّ صيغة «افعل» إنّما تدلّ على النسبة الطلبيّة ، كما أنّ المادّة لم توضع إلاّ لنفس الحدث غير الملحوظ معه شيء من خصوصيّاته الوجوديّة. وعليه ،

__________________

(١) ذهب إليه الشيخ الطوسيّ ونسبه إلى كثير من المتكلّمين والفقهاء. راجع العدّة ١ : ٢٢٥ ـ ٢٢٧.

ونسب إلى الحنفيّة والحنابلة من العامّة في الإحكام (للآمدي) ٢ : ٢٤٢ ، ونهاية السئول ٢ : ٢٨٧. وناقش فى نسبته إلى الحنفية صاحب سلّم الوصول (المطبوع بذيل نهاية السئول ٢ : ٢٨٦ ـ ٢٨٧).

(٢) أي جوازا ، بمعنى أنّه يجوز التراخي كما يجوز الفور. لا وجوبا بمعنى أنّه يجب الفور ، فإنّه لم يقل به أحد ، كما قال المحقّق القمّي : «أمّا القول بتعيين التراخي فلم نقف على مصرّح به». قوانين الأصول ١ : ٩٥.

وهذا القول نسبه الآمديّ إلى الشافعيّة والقاضي أبي بكر وجماعة من الأشاعرة والجبّائي وابنه وأبي الحسين البصريّ. راجع الإحكام (للآمدي) ٢ : ٢٤٢.

(٣) وهذا منسوب إلى الواقفيّة ، فراجع نهاية السئول ٢ : ٢٨٨. ونسبه صاحبا المعالم والمفاتيح إلى السيّد المرتضى ، إلاّ أنّ كلامه صريح في القول الرابع ، حيث قال : «الواجب على من سمع مطلق الأمر .... ويتوقّف في تعيين الوقت أو التخيير فيه على دلالة تدلّ على ذلك ، وهو الصحيح». راجع معالم الدين : ٦٠ ؛ مفاتيح الأصول : ١٢٢ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ١٣١.

(٤) أي على نحو الاشتراك المعنويّ كما نسبه الشوكانى إلى الفخر الرازيّ في إرشاد الفحول : ٩٩ ـ ١٠٠.

(٥) ذهب إليه المحقّق والعلاّمة والسيّد المرتضى من القدماء ، واختاره كثير من المتأخّرين. فراجع معارج الأصول : ٦٥ ، مبادئ الوصول : ٩٦ ، الذريعة ١ : ١٣١.

وذهب إليه أيضا الآمديّ كما ذهب إليه البيضاويّ ونسبه إلى الحنفيّة والفخر الرازيّ. راجع الإحكام (للآمدي) ٢ : ٢٤٢ ؛ ونهاية السئول ٢ : ٢٨٦.

فلا دلالة لها ـ لا بهيئتها ولا بمادّتها ـ على الفور أو التراخي ؛ بل لا بدّ من دالّ آخر على شيء منهما ، فإن تجرّدت عن الدالّ الآخر ، فإنّ ذلك يقتضي جواز الإتيان بالمأمور به على الفور أو التراخي. هذا بالنظر إلى نفس الصيغة.

أمّا بالنظر إلى الدليل الخارجيّ المنفصل ، فقد قيل بوجود الدليل على الفور في جميع الواجبات على نحو العموم إلاّ ما دلّ عليه دليل خاصّ ينصّ على جواز التراخي فيه بالخصوص. وقد ذكروا لذلك آيتين :

الأولى : قوله (تعالى) : ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). وتقريب الاستدلال بها أنّ المسارعة إلى المغفرة لا تكون إلاّ بالمسارعة إلى سببها ، وهو الإتيان بالمأمور به ؛ لأنّ المغفرة فعل الله (تعالى) فلا معنى لمسارعة العبد إليها. وعليه فتكون المسارعة إلى فعل المأمور به واجبا ؛ لما مرّ من ظهور صيغة «افعل» في الوجوب (٢).

الثانية : قوله (تعالى) : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (٣)﴾ فإنّ الاستباق بالخيرات عبارة أخرى عن الإتيان بها فورا.

والجواب (٤) عن الاستدلال بكلتا الآيتين أنّ الخيرات وسبب المغفرة كما تصدق على الواجبات تصدق على المستحبّات أيضا ، فتكون المسارعة والاستباق شاملين لما هما في المستحبّات أيضا. ومن البديهيّ عدم وجوب المسارعة فيها ، كيف وهي يجوز تركها رأسا. وإذا كانتا شاملتين للمستحبّات بعمومهما كان ذلك قرينة على أنّ طلب المسارعة ليس على نحو الإلزام ؛ فلا تبقى لهما دلالة على الفوريّة في عموم الواجبات.

بل لو سلّمنا باختصاصهما بالواجبات لوجب صرف ظهور صيغة «افعل» فيهما في الوجوب وحملها على الاستحباب ؛ نظرا إلى أنّا نعلم عدم وجوب الفوريّة في أكثر الواجبات ، فيلزم تخصيص الأكثر بإخراج أكثر الواجبات عن عمومها. ولا شكّ أنّ الإتيان

__________________

(١) آل عمران (٣) الآية : ١٣٣.

(٢) مرّ في الصفحة : ٨١ ـ ٨٣.

(٣) البقرة (٢) الآية : ١٤٨ ؛ المائدة (٥) الآية : ٤٨.

(٤) كما في كفاية الأصول : ١٠٣.