درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۷۷: صیغه امر ۱۶

 

مقدّمة الواجب (١) مع بيان السرّ في الذهاب إلى إمكانه ووقوعه ، وسنبيّن أنّ الواجب فعلا في مثال الحجّ هو السير والتهيئة للمقدّمات ، وأمّا نفس أعمال الحجّ : فوجوبها مشروط بحضور الموسم والقدرة عليها في زمانه.

والثاني : في أنّ ظاهر الجملة الشرطيّة في مثل قولهم : «إذا دخل الوقت فصلّ» هل إنّ الشرط شرط للوجوب فلا تجب الصلاة في المثال إلاّ بعد دخول الوقت أو أنّه شرط للواجب فيكون الواجب نفسه معلّقا على دخول الوقت في المثال ، وأمّا الوجوب فهو فعليّ مطلق؟

وبعبارة أخرى هل إنّ القيد شرط لمدلول هيئة الأمر في الجزاء أو أنّه شرط لمدلول مادّة الأمر في الجزاء (٢)؟

وهذا البحث يجري حتّى لو كان الشرط غير الزمان ، كما إذا قال المولى : «إذا تطهّرت فصلّ».

فعلى القول بظهور الجملة في رجوع القيد إلى الهيئة ـ أي إنّه شرط للوجوب ـ يكون الواجب واجبا مشروطا ، فلا يجب تحصيل شيء من المقدّمات قبل حصول الشرط. وعلى القول بظهورها في رجوع القيد إلى المادّة ـ أي إنّه شرط للواجب ـ يكون الواجب واجبا مطلقا ، فيكون الوجوب فعليّا قبل حصول الشرط ، فيجب عليه تحصيل مقدّمات المأمور به إذا علم بحصول الشرط فيما بعد.

وهذا النزاع هو النزاع المعروف بين المتأخّرين في رجوع القيد في الجملة الشرطيّة إلى الهيئة أو المادّة. وسيجيء تحقيق الحال في موضعه إن شاء الله تعالى (٣).

٣. الأصليّ والتبعيّ (٤)

الواجب الأصليّ «ما قصدت إفادة وجوبه مستقلاّ بالكلام» ، كوجوبي الصلاة والوضوء

__________________

(١) تعرّض له في المقدّمات المفوّتة : ٢٨٤ ـ ٢٩٠.

(٢) ذهب إلى الثاني المحقّق الأنصاريّ ، راجع مطارح الأنظار : ٤٧ ـ ٤٩. وإلى الأوّل صاحب الكفاية كما نسب إلى المشهور في نهاية الأصول ، راجع الكفاية : ١٢١ ، ونهاية الأصول : ١٥٥.

(٣) يجيء في المقدّمات المفوّتة : ٢٨٤ ـ ٢٩٠.

(٤) اعلم أنّهم اختلفوا في أنّ هذا التقسيم هل يكون بلحاظ مقام الإثبات والدلالة أو بلحاظ مقام الثبوت ـ

المستفادين من قوله (تعالى) : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ، (١) وقوله (تعالى) : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢).

والواجب التبعيّ «ما لم تقصد إفادة وجوبه ، بل كان من (٣) توابع ما قصدت إفادته (٤)». وهذا كوجوب المشي إلى السوق المفهوم من أمر المولى بوجوب شراء اللحم من السوق ، فإنّ المشي إليها حينئذ يكون واجبا لكنّه لم يكن مقصودا بالإفادة من الكلام ، كما في كلّ دلالة التزاميّة فيما لم يكن اللزوم فيها من قبيل البيّن بالمعنى الأخصّ.

٤. التخييريّ والتعيينيّ

الواجب التعيينيّ «ما تعلّق به الطلب بخصوصه ، وليس له عدل في مقام الامتثال» ، كالصّلاة والصوم في شهر رمضان ، فإنّ الصلاة واجبة لمصلحة في نفسها لا يقوم مقامها واجب آخر في عرضها. وقد عرّفناه فيما سبق بقولنا : «هو الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له وبديلا عنه في عرضه» (٥). وإنّما قيّدنا البديل [بقولنا] : «في عرضه» ؛ لأنّ بعض الواجبات التعيينيّة قد يكون لها بديل في طولها ولا يخرجها عن كونها واجبات تعيينيّة ، كالوضوء ـ مثلا ـ الذي له بديل في طوله وهو التيمّم ؛ لأنّه إنّما يجب إذا تعذّر الوضوء ، وكالغسل بالنسبة إلى التيمّم أيضا كذلك ، وكخصال الكفّارة المرتّبة ، نحو كفّارة قتل الخطأ ، وهي العتق أوّلا ، فإن تعذّر فصيام شهرين ، فإن تعذّر فإطعام ستّين مسكينا.

__________________

ـ والواقع؟ فذهب إلى الأوّل صاحب الفصول ، راجع الفصول الغرويّة : ٨٢. وإلى الثاني الشيخ الأنصاريّ وتلميذه المحقّق الخراسانيّ ، فراجع مطارح الأنظار : ٧٨ ، وكفاية الأصول : ١٥٢. وذهب إلى الثاني أيضا المصنّف رحمه‌الله.

ولا يخفى أنّه على الأوّل ينقسم الواجب النفسيّ والغيريّ إلى الأصليّ والتبعيّ. وعلى الثاني فالنفسيّ لا ينقسم إليهما ، بل هو دائما أصليّ بهذا المعنى ؛ إذ الواجب النفسيّ لو لم يكن مرادا بالإرادة الاستقلاليّة ولم يكن ملتفتا إليه لم يكن هناك وجوب أصلا. هذا ، ومن أراد التفصيل فليراجع المطوّلات.

(١) البقرة (٢) الآيات : ٤٣ ، ٨٣ ، ١١٠.

(٢) المائدة (٥) الآية : ٦.

(٣) وفي «س» : بل كان وجوبه من ....

(٤) أي إفادة وجوبه.

(٥) راجع الصفحة : ٩٢.

والواجب التخييريّ : «ما كان له عدل وبديل في عرضه ، ولم يتعلّق به الطلب بخصوصه ، بل كان المطلوب هو أو غيره ، يتخيّر بينهما المكلّف». وهو كالصوم الواجب في كفّارة إفطار شهر رمضان عمدا ، فإنّه واجب ، ولكن يجوز تركه وتبديله بعتق رقبة أو إطعام ستّين مسكينا.

والأصل في هذا التقسيم أنّ غرض المولى ربّما يتعلّق بشيء معيّن ، فإنّه لا مناص حينئذ من أن يكون هو المطلوب والمبعوث إليه وحده ، فيكون «واجبا تعيينيّا». وربّما يتعلّق غرضه بأحد شيئين أو أشياء لا على التعيين ، بمعنى أنّ كلاّ منها محصّل لغرضه ، فيكون البعث نحوها جميعا على نحو التخيير بينها. وكلا القسمين واقع في إرادتنا نحن أيضا ، فلا وجه للإشكال في إمكان الواجب التخييريّ ، ولا موجب لإطالة الكلام (١).

ثمّ إنّ أطراف الواجب التخييريّ إن كان بينها جامع يمكن التعبير عنه بلفظ واحد ، فإنّه يمكن أن يكون البعث في مقام الطلب نحو هذا الجامع ، فإذا وقع الطلب كذلك فإنّ التخيير حينئذ بين الأطراف يسمّى «عقليّا» ، وهو ليس من الواجب التخييريّ المبحوث عنه ، فإنّ هذا يعدّ من الواجب التعيينيّ ، فإنّ كلّ واجب تعيينيّ كلّيّ يكون المكلّف مخيّرا عقلا بين أفراده ، والتخيير يسمّى حينئذ «عقليّا». مثاله قول الأستاذ لتلميذه : «اشتر قلما» الجامع بين أنواع الأقلام من قلم الحبر وقلم الرصاص وغيرهما (٢) ، فإنّ التخيير بين هذه الأنواع يكون عقليّا ، كما أنّ التخيير بين أفراد كلّ نوع يكون عقليّا أيضا.

وإن لم يكن هناك جامع مثل ذلك ، كما في مثال خصال الكفّارة ، فإنّ البعث إمّا أن يكون نحو عنوان انتزاعيّ كعنوان «أحد هذه الأمور» ، أو نحو كلّ واحد منها مستقلاّ ، ولكن مع العطف بـ «أو» ونحوها ممّا يدلّ على التخيير ، فيقال في النحو الأوّل مثلا : «أوجد أحد هذه الأمور». ويقال في النحو الثاني مثلا : «صم» أو «أطعم» أو «أعتق». ويسمّى حينئذ التخيير بين الأطراف «شرعيّا» ، وهو المقصود من التخيير المقابل للتعيين هنا.

__________________

(١) ومن أراد التفصيل فليراجع فوائد الأصول ١ : ٢٣٢ ـ ٢٣٦ ، والمحاضرات ٤ : ٤٠.

(٢) وفى س : مثاله قول الطبيب : «اشرب مسهلا» الجامع بين أنواع المسهل من زيت الخروع والملح الأفرنكي وغيرهما.