درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۷۸: صیغه امر ۱۷

 

والواجب التخييريّ : «ما كان له عدل وبديل في عرضه ، ولم يتعلّق به الطلب بخصوصه ، بل كان المطلوب هو أو غيره ، يتخيّر بينهما المكلّف». وهو كالصوم الواجب في كفّارة إفطار شهر رمضان عمدا ، فإنّه واجب ، ولكن يجوز تركه وتبديله بعتق رقبة أو إطعام ستّين مسكينا.

والأصل في هذا التقسيم أنّ غرض المولى ربّما يتعلّق بشيء معيّن ، فإنّه لا مناص حينئذ من أن يكون هو المطلوب والمبعوث إليه وحده ، فيكون «واجبا تعيينيّا». وربّما يتعلّق غرضه بأحد شيئين أو أشياء لا على التعيين ، بمعنى أنّ كلاّ منها محصّل لغرضه ، فيكون البعث نحوها جميعا على نحو التخيير بينها. وكلا القسمين واقع في إرادتنا نحن أيضا ، فلا وجه للإشكال في إمكان الواجب التخييريّ ، ولا موجب لإطالة الكلام (١).

ثمّ إنّ أطراف الواجب التخييريّ إن كان بينها جامع يمكن التعبير عنه بلفظ واحد ، فإنّه يمكن أن يكون البعث في مقام الطلب نحو هذا الجامع ، فإذا وقع الطلب كذلك فإنّ التخيير حينئذ بين الأطراف يسمّى «عقليّا» ، وهو ليس من الواجب التخييريّ المبحوث عنه ، فإنّ هذا يعدّ من الواجب التعيينيّ ، فإنّ كلّ واجب تعيينيّ كلّيّ يكون المكلّف مخيّرا عقلا بين أفراده ، والتخيير يسمّى حينئذ «عقليّا». مثاله قول الأستاذ لتلميذه : «اشتر قلما» الجامع بين أنواع الأقلام من قلم الحبر وقلم الرصاص وغيرهما (٢) ، فإنّ التخيير بين هذه الأنواع يكون عقليّا ، كما أنّ التخيير بين أفراد كلّ نوع يكون عقليّا أيضا.

وإن لم يكن هناك جامع مثل ذلك ، كما في مثال خصال الكفّارة ، فإنّ البعث إمّا أن يكون نحو عنوان انتزاعيّ كعنوان «أحد هذه الأمور» ، أو نحو كلّ واحد منها مستقلاّ ، ولكن مع العطف بـ «أو» ونحوها ممّا يدلّ على التخيير ، فيقال في النحو الأوّل مثلا : «أوجد أحد هذه الأمور». ويقال في النحو الثاني مثلا : «صم» أو «أطعم» أو «أعتق». ويسمّى حينئذ التخيير بين الأطراف «شرعيّا» ، وهو المقصود من التخيير المقابل للتعيين هنا.

__________________

(١) ومن أراد التفصيل فليراجع فوائد الأصول ١ : ٢٣٢ ـ ٢٣٦ ، والمحاضرات ٤ : ٤٠.

(٢) وفى س : مثاله قول الطبيب : «اشرب مسهلا» الجامع بين أنواع المسهل من زيت الخروع والملح الأفرنكي وغيرهما.

ثمّ هذا التخيير الشرعيّ تارة يكون بين المتباينين ، كالمثال المتقدّم ، وأخرى بين الأقلّ والأكثر ، كالتخيير بين تسبيحة واحدة وثلاث تسبيحات (١) في ثلاثيّة الصلاة اليوميّة ورباعيّتها على قول (٢). وكما لو أمر المولى برسم خطّ مستقيم ـ مثلا ـ مخيّرا فيه بين القصير والطويل.

وهذا الأخير ـ أعني التخيير بين الأقلّ والأكثر ـ إنّما يتصوّر فيما إذا كان الغرض مترتّبا على الأقلّ بحدّه ، ويترتّب على الأكثر بحدّه أيضا ، أمّا لو كان الغرض مترتّبا على الأقلّ مطلقا وإن وقع في ضمن الأكثر فالواجب حينئذ هو الأقلّ فقط ، ولا تكون الزيادة واجبة ، فلا يكون من باب الواجب التخييريّ ، بل الزيادة لا بدّ أن تحمل على الاستحباب.

٥. العينيّ والكفائيّ :

تقدّم أنّ الواجب العينيّ «ما يتعلّق بكلّ مكلّف ولا يسقط بفعل الغير (٣)» ، ويقابله الواجب الكفائيّ وهو «المطلوب فيه وجود الفعل من أيّ مكلّف كان» ، فهو يجب على جميع المكلّفين ، ولكن يكتفى بفعل بعضهم ، فيسقط عن الآخرين ولا يستحقّ العقاب بتركه. نعم ، إذا تركوه جميعا من دون أن يقوم به واحد ، فالجميع منهم يستحقّون العقاب ، كما يستحقّ الثواب كلّ من اشترك في فعله.

وأمثلة الواجب الكفائيّ كثيرة في الشريعة : منها : تجهيز الميّت والصلاة عليه ؛ ومنها : إنقاذ الغريق ونحوه من التهلكة ؛ ومنها : إزالة النجاسة عن المسجد ؛ ومنها : الحرف والمهن والصناعات التي بها نظام معايش الناس ؛ ومنها : طلب الاجتهاد ؛ ومنها : الأمر بالمعروف

__________________

(١) أي التخيير بين إتيان التسبيحات الأربعة مرّة واحدة ، وبين إتيانها ثلاث مرّات. فالمراد هو التخيير بين الأربع والاثني عشر.

(٢) والقائل ـ على ما في الجواهر ـ جماعة من القدماء كالكليني والصدوق والشيخين وكثير من المتأخّرين. راجع جواهر الكلام ١٠ : ٣٤ ـ ٣٥.

(٣) تقدّم في الصفحة : ٩٠.